انقضتْ رقصةُ التبانة والجبل على خير واستطاعت الحكومة احتواء "أوّل الرقص" إلى حين،تماما مثلما تحتوي الوضع المتأزم في طول البلاد وعرضها في ظلّ الزلزال القائم في سوريا. هذا الرقصُ لم يدعمه أيّ تيّار سياسي ولكنّه مرشّحٌ للتكرار،فالواقع القائم مريضٌ منذ سنوات طويلة من غير أيّ علاج جدّي له،واقعٌ يفترسه الفقرُ المدقعُ و الجهلُ والخوفُ في كلا الساحتين، وحزازاتُ الماضي القريب والحاضرُ المتفجّر عندهما. هاتان الساحتان لا تمثلان وجه المدينة وروحها بل هما الجزءان الأكثر مظلومية و إهمالا واستعمالا من قبل اللاعبين الكبار الألى دأبوا على استكرادهما مستغلّين فقرهما وخوفهما عبراللعب على الوتر المذهبيّ السقيم. لقد استطاع الكثيرون من أبناء الطائفة العلوية أنْ يتغلّبوا على واقعهم فتعلّموا،وهم كثرٌ و إن اندفنت أصواتُهم بين صهيل الولاآت وصليل السلاح. ولأنه لا تأبيد لتلك الحالة المرضية تبقى المعالجة الجدية والمخلصة من قبل الدولة عبر الإنماء الحقيقي لتلك المناطق هي الكفيلة بردم هذه الهوة بين أبناء البلد الواحد و إلى الأبد. حتى يحين ذلك الحين فإنّ كل الأفرقاء اللبنانيين أمام امتحان مصيري لمدى لبنانيتهم و أنا لا أشكّ بأي منهم غير أنّي أخاف من خفّة في السياسة تصيب منا مقتلا في هذا الظرف المصيري الذي يمر به لبنان. أقول هذا الكلام لا تطيّرا و لا توَهّما بل من باب الإخلاص.فلبنان أمام ما نشهده من احتدام المشاعر المذهبية في العالم العربي والاسلامي هو الخاصرة الرخوة نظرا لمكوّناته و لمكانه الجغرافي و لضعف بنيته. أمام هذا النذير،على الأفرقاء أن يقدّموا مصلحة اللبنانيين على كل مصلحة أكانت عقائدية أودينية أو سلطوية، ويسهّلوا إدارة أحوال الناس فلا يكيدوا ولا يطمعوا، حفاظا على كيان الدولة ولو ضعيفا فبدونها نتحوّل إلى مجموعة قطعان تسترخص دماء أخوتها. لقد قرأ الرئيس ميقاتي هذا الواقع وانطلاقا من الإخلاص عاد الرئيسَ سعد الحريري ليقولَ له كلاما في المصير. لا تسْتسْهلوا هذا الهدوء في الربوع فأوّل الرقص حنجلة.
حسين الجسر