الأمر ليس غريبا على اللبنانيين فقد عرفوا منذ عقود طويلة ثقافة حكم القناصل الذين خبا نجمهم في فترة الوصاية السورية التي ربّعت المرحوم غازي على رقاب الجميع حاكما ومذلا ومنعما.
اليوم وفي هذا الظرف المستجدّ على سياسيّينا ممّن تعودوا على الأوامر تأتيهم معلّبة جاهزة كنصوص مقدّسة لا مجال للاجتهاد فيها فكلّ من اجتهد خاب،اليوم يبدون في ساعات التخلّي فرحين،ينظّرُ كلّ واحد منهم تماما كالتلاميذ يتصايحون صبينة في غياب الاستاذ عن الصفّ،فلم نسمع من تنظيراتهم الا الوصولية والانتهازية والعنصرية فالصرخات الطائفية والمذهبية ولم نر في أدائهم اللبناني سوى ضيق الأفق وقلة الأدب والضيعة والفرنوالزنّار والتنور.
ولم نسمع صوتا وطنيا واحدا ينطلق من الاخلاص للوطن أللهم سوى مواقف رئيس الجمهورية الأخيرة.
والسؤال هنا:هل حقا تحرّر هؤلاء السياسيّون فعلا؟وهل أصبحت قراراتهم من رؤوسهم؟
مع كامل الأسف فإننا لم نشهد سوى مجرّد تصايح صبياني بلدي وصراع أزقة وزقاقيين بينما تظلّ القرارات المهمّة تؤخذ في أمكنة بعيدة خارج الوطن.
فقرار الحرب والسلم في الخارج وقرار اتفاق اللبنانيين في الخارج، فأكثر الزعماء عندنا يراجعون مرجعيّاتهم أكانوا أمراء أم آيات الله أم دولة عظمى.
هذا ليس كلاما جميلا ولكنّنا يئسنا، نحن اللبنانيون يئسنا،حتى بلغ الأمر فينا أن نقول مكرهين وبالعربي المشبرح :فليأتِ ممثلٌ عن السعودية وآخرٌ عن إيران ولا بأس بأمريكي للتنظيم وليقيم هؤلاء الثلاثة عندنا فينظّموا البلد ويقيموا دستورهم ثمّ يعيّنوا موظفين من كلّ الطوائف كي يسيّروا أمور الناس ومصالحها.
قد يقول قائلٌ هذا كثير، أفليس كثيرا ان نرجع بالبلد لعصر المتصرّفيات فينصرف كلّ واحد منهم الى مجروره وزاروبه وفقيهه فنحي عصر الظلمات ونكفّر هنا ونفتي هناك ونلوي عنق الصلبان كي نستعملها في قضايا شتّى وللصليب شكل واحد؟
أوليس الوطن في تجاذب بين قوتين اقليميتين شيعية وسنّية، كلّ واحدة تشدّ بطرفها ونحن نشهد تخلّع الوطن وسقوطه على رؤوسنا؟
واليوم يتفق النواب جميعهم على أمر واحد وهو الكذب على الناس وتأجيل الانتخابات لمدة سنتين.
هذا ما أفرزه نوابكم الميامين في دورتهم العظيمة،فبعد أن تعطّل المجلس وتوقف التشريع قرروا أن يجددوا لأنفسهم سنتين مبررين الأمر بأعذار شتى خلاصتها الكذب على الناس.
أنا أجزم يقينا أن كل النوّاب بلا استثناء يضحكون في عبّهم فرحا ،حتى الحكومة بكل وزرائها فرحة ببقائها على رؤوس اللبنانيين باسم الحفاظ على البلد.
نوابنا لبنانيون بامتياز لا يتركون فرصة الا ويتاجرون بها وها هم اليوم يتاجرون بالوضع السوري ليبقوا الأمور على حالها ويظلّوا قاعدين على رقابنا ،ولم يتحدوا جميعهم الا على نبذ النسبية الكاملة وإن تغزّل البعض بها مراوغة،وعلى الغاء الطائفية.
وحدهم الناس ورئيس الجمهورية يريدون انتخابات في موعدها ولكن أين تُصرف هذه الإرادة؟
لقد غدا رئيس الجمهورية في صفّ المجتمع المدني المهان والمستضعف والمجروح،غدوا في مواجهة قوى الاقطاع السياسي والعسكري والمالي والديني،وإنها لمواجهة صعبة تفضح صيغة الحكم المبتورة في لبنان وتظهر أكثر فأكثر ضرورة أن يكون لنا رئيس منتخب من الناس مباشرة ليحكم البلد باسم الناس،فلا تُترك البلاد لتجّارها ومقاوليها ورعيانها وبعض المتراقصين على أطراف المبادىء فلا نعرف لهم لونا ولا رائحة ولا معنى.
من أين نبدأ؟ نبدأ من تغيير صيغة الحكم المبتورة.
حسين الجسر