لا يُقاسُ الألمُ بالمتْرِ ولا يُزانُ بالغرام ...إنّهُ مثل الطاقة الخفيّةِ يَنخرُ الروحَ ويَكسرُ القلبَ بصمتٍ حتى إذا ما فاضَ أسعفَتْهُ الدموعُ...
هو ليسَ الألم الجسدي الذي يحذّرنا من خللٍ في الجسم ولا هو الألمُ البدنيّ الذي يعانيه المسجونُ في الأقبيةِ العربية حيث يفقدُ من قساوة القتل والتعذيب كلّ حسّ حتى إذا ما خرج باتَ مكلوما محطّما و ذليلا، فليس هنالك أقسى من انكسار الروحِ والكرامة الانسانية.
الألمُ الذي أحكي عنه مختلفٌ تماما ،هوى يسري فينا من حيثُ لا ندري ويتغلغلُ في نفوسِنا ونحنُ نشاهد هذا العار وهذه المآسي اليومية عبر الشاشاتِ وعبر اليوتيوب الذي ينقل إلينا ما لم نكن نحسبه ممكنا...
نحن بني البشر قرأنا في الكتب عن فظاعات الانسان عبر التاريخ و التي فاقتْ كلّ وصف،غير أننا لم نكن لنحلم بيوم نرى فيه بأمّ العين كيف يتحوّل الانسانُ ذلك المخلوق الرهيف إلى وحشٍ كاسرٍ بل أشد قساوة ،وإني لأعجبُ كيف يستفظعُ العالمُ مناظرَ التنكيلِ بالجثث المقزّزة وهو الرابضُ كالعجل الكسول أمام مناظر ذبح الأطفال بالسكاكين والخناجر وأمام ضرب الأحياء المساجين حتى يتفجّر الدمُ على الجدران طلاء أرجوانيا...
يأكلُ الحيوان فريسته حين يجوع ويمضي من غيرِ بالٍ ولا تفكّر،أما ذلك الانسان الذي أمر الله الملائكة أن تسجد له وعلّمه الاسماء،تراه يَتيه و يصلفُ ويتوحشّ مُمْعِنا بالتعذيب، متحولا إلى سافك دماءٍ تماما كما قالتِ الملائكةُ عنه وبالرغم من ذلك فقد جعله الله خليفته في الأرض..
" وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ( 30 ) )
الموضوع أكبر من تفكّرنا غير أنه مدى للتساؤل الدائم،فما نحن سوى أسئلةٍ في عالم الغيب وبحثٍ وتأمّلٍ ننقله إلى الذين يأتون بعدنا في مسيرة الوجود والبعث والإيمان حتى تقوم الساعة.
الألم هذا كالطاقة يسري فينا سرّا ويتفشّى في الروح.
نحنُ عشنا أهوالَ الحروب اللبنانية وعانينا خوفا واضطرابا ويأسا وغضبا،لكنّ مأساتنا لم تلحق التكنولوجيا الحديثة ولم تشهدْ زمن ذلك الصبي العجيب الأسمه يوتيوب...لم نُقتل زمن الانترنت... والأمر مختلف اليوم،فهل أنّ عيوننا وأرواحنا مهيّأة لرؤية هذا الهول والدخول في ويلاته؟؟
يبدو أن الأمرَ ممكنٌ ولكنّ الألمَ الذي يستبدُّ بنا يَسري بنا سرّا ويغتالُ أحلى أغانينا ويكسرُ البراعمَ والأمنيات...هذا الألمُ غريبٌ وخطيرٌ خطيرٌ وهو يجتاحنا غصبا عنّا ولو أنكرْنا ولو أردْنا الهروبَ والنسيان...وهو يجري ببلادِنا وأهلِنا وناسِنا مهما كابرَ بعضُ المتفيقهين المستغربين متنصّلين أوالمعقّدين المتعالين على بني جلدتهم وتراثهم، فالحقيقة تصفعهم ببداهتها وواقعها المُعاش،فالجراحاتُ جروحنا والقتلى أهلونا والبلادُ بلادُنا من الجبل العتيق إلى السهلِ اللصيق،ونحنُ أخوة الدمِ والنسبِ واللغةِ والأغنياتِ والقصائدَ والأفراحِ والأحزانِ والعاداتِ، رجالُهم رجالنا ونساؤهم نساؤنا وإن باعدَ الفقر في المظاهر عند الناس اللاجئين الخارجين من بيوتهم وأرزاقهم. أخوةٌ نحنُ في التاريخ العظيم وفي الحاضر وفي المستقبل...
وكما وُلدنا من بطونِ أمّهاتنا مسلمينَ ومسيحيينَ ومذاهبَ، كذلك همُ السوريون وُلدوا نصارى ودروزا وعلويين وسنّة وشيعة ومذاهب شتى،لكنّنا نتشارك جميعنا في إنسانيتنا ومائنا وترابنا وتراثنا وغدنا...حتى في معاصينا وويلاتنا تَشارَكْنا وفي وحشيتنا وقساوتنا وفي عارنا تشارَكْنا...
فلتسكتُ تلك الأصواتُ المُرجِفة والجاهلة والضعيفة والعمياءُ،
وكلّ من يرى الدماءَ المسفوكة بعيونِ الإصطفافِ والسياسةِ
وكلّ من يتطلّعُ إلى هذه العذاباتِ الكبيرةِ بعيونِ الفريق والمحورِ والطائفة والمذهب إنّما هو خروف مسيّر أسيرَ أحقاده أو كراهيته أو خوفه...وكلّ من سعى من أوّل الثورة إلى التطييف والمذهبة إنّما هو فريق مأمور ينفّذ خطط الكبار الألى يرون في سوريا ميدانا لحروبهم ومصالحهم وخوفا على سلطانهم.
سوريا الشعبُ وليسَ لأرضٍ قيمة بلا شعبها بل لا قيمة لأي بلد أو قضية أو دين بلا ذلك الإنسان خليفة الله في الأرض والذي لأجله نزلت الأديان رحمة له،ولقد انتهت الأزمان التي تُسيّرُ الناسَ في سبيلِ قضايا يدّعونَها بهتانا فيُحِلّون لأجلها قتلهم وقمعهم واستعبادهم،انتهت هذه الأزمان أو هي على دروب الانقراض. وسوريا ستنتصر بناسها وتعود لكل السوريين مسلمين ومسيحيين،مؤمنين وملحدين ،محافظين وليبراليين، أرض سوريا تسعهم كلّهم ولا معنى لها بتاريخها وغدها إلا مدينة الجميع.
الألم يسري في نفوسنا نحن اللبنانيين لكن علينا أن نحوّله ،أن نحوّل هذه الطاقة الخفية المسمّة إلى عزيمة واعتبار لنَنْصرَ كلّ مظلوم على ظالمه ولنجابهَ معا كلّ أفاك جهولٍ ولو كثرَوا ولو كنّا قلة،سنحاربهم ما دام فينا رمقٌ ففي معركة الفكر والإنسان لا يكون النصر إلا لأهله.
حسين الجسر