LBCI
LBCI

"نثر حب" في زمن الركام... الموسيقى كسلاح للصمود والجمال في بيروت مع الأوركسترا الشرق – عربية

فنّ
2026-05-29 | 10:31
مشاهدات عالية
شارك
LBCI
شارك
LBCI
Whatsapp
facebook
Twitter
Messenger
telegram
telegram
print
"نثر حب" في زمن الركام... الموسيقى كسلاح للصمود والجمال في بيروت مع الأوركسترا الشرق – عربية
Whatsapp
facebook
Twitter
Messenger
telegram
telegram
print
8min
"نثر حب" في زمن الركام... الموسيقى كسلاح للصمود والجمال في بيروت مع الأوركسترا الشرق – عربية

ماجدة داغر

تأبى بيروت إلا أن تركن إلى النغم كلما أثقلت كاهلها جراح الحروب. وفي ظل الأوضاع الراهنة واستمرار آلة الحرب والدمار في إلقاء ظلالها القاتمة على مدننا، تأتي الموسيقى لتعيد صياغة الهوية وتنتزع الحياة من براثن الموت. 

"نثر حب" أمسية موسيقية للأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق- عربية بقيادة المايسترو أندريه الحاج، دعت إليها رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى المؤلفة الموسيقية هبة القواس، كإعلانٍ عن عودة الحفلات بعد توقف أشهر بسبب الحرب، وذلك في تجسيد حيّ لإرادة الصمود العميقة الكامنة في وجدان الشعب اللبناني. ففي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات المدافع، اختار المعهد الوطني العالي للموسيقى أن يرفع سلاح الإبداع في وجه الفناء، داعياً الجمهور إلى ملاذ آمن تسكنه الروح وتستعيد فيه توازنها الإنساني، معلناً بوضوح أن الموسيقى لا تسكتها الطائرات، بل إنها تولد من جديد كفعل صمود وحياة ورفض للانكسار. 

وفي التفاتةٍ وجدانية بالغة الدلالة تعكس عمق الإحساس بالمسؤولية الإنسانية والوطنية، انسجم جو الأوركسترا تماماً مع هذه الكلمات، إذ جاءت توليفة "الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق-عربية" في هذه الأمسية خاليةً تماماً من الآلات الإيقاعية. كان هذا القرار بمثابة ميثاق احترام صامت ومراعاةٍ قُصوى للوضع العام الراهن، ونأياً بالحفل عن أجواء الصخب والفرح التقليدية التي لا تتناسب مع لحظات الوجع والفقد التي يمر بها الوطن.


افتتاحاً، اعتلت رئيسة الكونسرفتوار المؤلفة الموسيقية الدكتورة هبة القواس المسرح، لتستهل الحفل بكلمةٍ وجدانية مؤثرة، لخصت فيها صراع البقاء والثقافة في مواجهة الحرب. وفي دلالةٍ عميقة على إصرار المبدع اللبناني على خوض معركة الوجود بالموسيقى، شبّهت القواس الموسيقي بالجندي في الميدان قائلةً: "فكما الجندي لا يُنزل بندقيته في الحرب، كذلك الموسيقي لا يُنزل آلته"، معلنةً انطلاق الأمسية كفعل حياةٍ يومي ومقاومة حضارية لا تستسلم للركام. وجاء في كلمتها:

"أضحى مبارك، نلتقي اليوم في أمسية موسيقية استثنائية، لا تشبه أي حفلٍ مَضى، إذ نمرُّ جميعاً بأيامٍ بالغة القسوة والصعوبة. لقد أجبرتنا الظروف على إيقاف حفلاتنا لعدة أشهر، ولم يكن قرار العودة وإعادة الوقوف على المسرح أمراً سهلاً على الإطلاق في ظل ما نعيشه اليوم. لكننا نؤمن بأن فعل الثقافة والحضارة هو الجوهر الحقيقي والوجه الأصيل للبنان. 

ولأننا كذلك، لا نملك إلا أن نستمر في كتابة لوحة هذا الوطن الذي نحبه، وأن نقترف "فعل الحياة" بشكل يومي نابض، من خلال هذه الأوركسترا ومن خلال الكونسرفتوار.

اخترنا للحفل عنوان "نثر حب"، وهو عنوان يحمل رمزية عميقة في هذا التوقيت، أردنا من خلاله أن ننثر الحب في مواجهة كل هذا الكره الذي يحيط بنا، وفي وجه هذا الموت السائد، وضد كل المحاولات التي تسعى إلى إيقاف نبض الحياة بالقوة في بلادنا. ومع كل ذلك، ها نحن نعود مجدداً، وننهض لنقدّم الحب من دون تردد. مقطوعة "نثر حب" هي اللبنة الأولى في برنامجنا لليلة، وهي من أعمال الموسيقار الراحل الكبير وليد غلمية، ومنها تحديداً اقتبسنا عنوان حفل عودتنا، في مفارقة نعلن فيها استمرار العطاء بينما الحرب ما زالت مستمرة."

وأضافت: "وهنا أتوجه إليكم بالسؤال: هل تفضلون أن نكمل مسيرتنا ونرفع صوتنا رغم الحرب، أم نتوقف ونختبئ في بيوتنا ونستسلم؟

إن إصرارنا على الإكمال هو ما يدفعني الليلة لتقديم الشكر والتقدير إلى المايسترو أندريه الحاج وإلى جميع أعضاء الأوركسترا. نحن لا نطلق على ما يفعلونه مجرد كلمة "صمود"، لأن خلف هذه الكلمة يربض الكثير من التعب، والمثابرة، والعمل الدؤوب وسط وضع استثنائي وقاهر. لكن ميزتهم الكبرى وعظمتهم تكمن في أنهم لا يظهرون هذا التعب أبداً، فهم يتدربون يومياً وبلا انقطاع، لأن الموسيقى علمٌ صعب وفنٌّ عنيد يتطلب ساعات طوال من التمرين اليومي الشاق. وهذا الأمر ينطبق تماماً على الأوركسترا الفلهارمونية كما ينطبق على أوركسترا الموسيقى الشرق-عربية، كل ذلك من أجل صياغة هذه الساعة الموسيقية وتقديمها لكم بأبهى صورة."

وتابعت القواس: "هذا هو فعل الثقافة الحقيقية. نحن لا نقترف فرحاً مجرّداً فوق الموت، بل نحن نمضي مكملين بمسيرة لبنان الحقيقي، متعالين فوق كل الوجع الذي يواجهه، لبنان الذي يشبهنا ونشبهه، وسنستمر في هذا الطريق طالما أنه يمثل هويتنا. قد يكون هذا قدرنا، أن نعيش بين فكّي مفارقات قاسية ومؤلمة.

فبعد الانهيار الاقتصادي الكبير الذي عصَف بنا، لم يكن من السهل أبداً أن نعود لنبني الأوركسترات من نقطة الصفر لتقف على أقدامها مجدداً، ولم يكن يسيراً أن نستعيد بريق الحفلات، ثم تأتي هذه الحرب لتجمد كل شيء مرة أخرى. لكننا، وفي قلب هذا الركام، وبين الانهيارات والأزمات، وبين طائرة تقصف وأخرى تغِير، وبين موت وموت في حربٍ لم نلمس نحن قرارها، نبقى قادرين على أمرٍ واحد نملك السيطرة عليه ونتحكم به: وهو أن نكتب مستقبل لبنان بسلاحنا الموسيقي.

وختمت: "فكما أن الجندي في ساحة المعركة لا يُنزل بندقيته ولا يتخلى عنها وسط القتال، كذلك الموسيقي؛ لا يُنزل آلته، ولا يتوقف عن العزف حتى آخر رمق".

وفي غياب الآلات الإيقاعية، تحوّلت الموسيقى تحت قبة الكنيسة الأرمنية الإنجيلية الأولى في بيروت إلى مساحةِ تأملٍ نقي وصلاةٍ روحية صامتة، انصهرت فيها أوتار العود والقانون والكمان مع أنين الناي البعيد، لتبث السكينة والرجاء في النفوس الجريحة. فأثبت الموسيقيون التزاماً رسالياً استثنائياً، مبرهنين على مرونة أداء عالية وقدرة كبيرة على تطويع المقامات الشرقية لخدمة مناخات التأمل الروحي، فكانت الأوركسترا صوت الوطن الجريح الذي يترفع عن الألم ليصنع مساحة من الطمأنينة والسلام.

تطلب هذا الجو الأوركسترالي الخاص قيادة واعية وذكية، تجلت بوضوح في الرؤية الفنية التي قادها المايسترو القدير أندريه الحاج. كان الحاج بمثابة المهندس الذي يضبط المسافة الفاصلة بين الشجن والأمل، فقاد الأوركسترا بصرامة تقنية مشوبة بعاطفة جياشة من دون الاتكاء على سند إيقاعي، وهو تحدٍّ موسيقي كبير يبرز مهارة القيادة في الحفاظ على تدفق الزمن الموسيقي. تجلت براعته في استخراج طاقات تعبيرية دافئة من الآلات الوترية والنفخية، مصوّباً عصاه على النبض الوجداني للجمهور، متوّجاً جهده بالإعداد الأوركسترالي المتقن.

جاء البرنامج بمثابة مدونة روحية صِيغت بذكاء لتواكب تطلعات العودة. وافتُتحت الأمسية بمقطوعة "نثر حب" للمؤلف الراحل وليد غلمية، كتحية لروحه ومنطلقاً لبث رسالة السلام الموسيقية في وجه الدمار. وتوالت الأعمال لتعزف على أوتار الهواجس الوطنية والإنسانية، فقدمت الأوركسترا مقطوعة "المهاجر" لطوني عنقة لتلامس غربة الروح، تلتها المسحة الرومانسية الشجية في "عازف الليل" للكبير الياس الرحباني.

واستمر برنامج التأمل مع الموشح التراثي "لما بدا يتثنى" بإعداد توفيق الباشا، تلاه عمل "تفاريح" كتحية إجلال للفنان الراحل أحمد قعبور. لتعود الأوركسترا وتبحر في عوالم زياد الرحباني عبر "آثار على الرمال" التي تركت آثارها في النفوس، ثم رائعة زكي ناصيف "يا عاشقة الورد"، التي لبست حلة من الجمال التعبيري العميق تماشياً مع هوية الحفل بإعداد أندريه الحاج. 

وقبل الختام، تجلى مناخ الخشوع التام في مقطوعة "سكون" من مؤلفات أندريه الحاج نفسه، لتشكل ذروة المناجاة التأملية، تلتها مقطوعة "البحّارة" لمرسيل خليفة المفعمة بروح المواجهة والإبحار ضد التيار، لتُختتم الرحلة برائعة "درب الصيادي" لأنطوان فرح، تاركةً خلفها نداءً حياً بالرجاء والقيامة.

في الختام، أثبتت أمسية "نثر حب" أن الثقافة في لبنان هي خط الدفاع الأخير عن كينونته. فكانت عودة الأوركسترا في قلب الحرب وبأوتارٍ خالية من الإيقاع وصاخبة بالمعنى والصلاة، هي الرسالة الأبلغ للعالم: إن شعباً يواجه الركام بالنغم لا يمكن أن يُهزم، وأن بندقية الجندي وآلة الموسيقي هما معاً حارسا مستقبل لبنان الحقيقي الذي يشبه أهله، وسيبقى يصدح حباً وجمالاً فوق كل دمار.




فنّ

الركام...

الموسيقى

كسلاح

للصمود

والجمال

بيروت

الأوركسترا

الشرق

عربية

بعد إحباط مخطط لاستهداف حفل تايلور سويفت... القضاء النمساوي يصدر حكمه
LBCI السابق
إشترك لمشاهدة الفيديوهات عبر الانترنت
إشترك
حمل الآن تطبيق LBCI للهواتف المحمولة
للإطلاع على أخر الأخبار أحدث البرامج اليومية في لبنان والعالم
Google Play
App Store
We use
cookies
We use cookies to make
your experience on this
website better.
Accept
Learn More