لم يكن الشيخ الأسير معتبرا في يوم من الأيام
من أوّل ظهوره الركيك وتحوّله مادة تلفزيونية مثيرة وصولا إلى حاله اليوم، هاربا
مطاردا ومطلوبا بجرم القتل، يحمل على أكتافه دماء ضباط وجنود لبنانيين شباب ثكلتهم
أمّهاتهم و فقدتهم زوجاتهم وأطفالهم في ميتة مشرّفة لقضية حملها وسوّقها وأجّجها موتور
لم يدخل إلى وجدان الناس حتى في تقوّلاته الصحيحة.
لماذا لم يدخل الأسير إلى وجدان الناس وأعني
هنا السنّة بخاصة، كون الرجل ينطلق من منحى ديني مذهبي سلفي مع ما تحمله هذه
الكلمة الأخيرة من غموض مطّاط يبدأ
باللحية المتنوّعة والدشداشة وصولا الى خلافة تحكم الناس وفق مفاهيم تعود الى 1400
سنة؟
سؤال ينسحب على عموم الأشخاص المماثلين له
بشكل أو بآخر لنستدلّ من خلاله أنّ غالبية الناس لا تستسيغ هذا النمط بالرغم من
تديّنها وتمسّكها بمبادىء دينها.ولنأخذ أولا ظاهرة داعي الاسلام الشهال وهو ليس
جديدا بل وريث حالة عمرها سنوات طويلة ولكنّها ظلت هامشية ثانوية في المجتمع
الطرابلسي المدني كذلك سالم الرافعي فهو على حسن طويّته من افرزات التوحيد تاريخيا
ولم يظهر الا في السنوات الأخيرة من التجوّف والاحتقان ، أما الحالات الأخرى فهي
على اختلاف نشأتها وقدمها تعتبر جميعها طارئة ومعظمها من إفرازات الوصاية السورية
في تعاملها السحري في كيفية تحويل الأشخاص من مشاكسين إلى متعاملين مساندين، وكلّهم
ظلّوا ثانويين في الضمير الطرابلسي، بل شكّل بعضهم نفورا واستفزازا ،ولم يحصّل
واحد منهم أيّ اجماع أو التفاف من أهل المدينة.
انه مؤشّر أساسي في أهميته للمدينة الساحلية
الأكبر في المعيار السنّي، وليست صيدا بمختلفة عن طرابلس في هذا المضمار مما
يقودنا الى الجزم بأن المجتمع السني عموما لم يتقبّل ولا يتقبّل هذه النماذج فهي
لم تدخل إلى وجدانه ولم يوليها ثقته أو زمام أمره وهذه الحقيقة لا تقتصر على
المجتمعات المدنية بل تنسحب حتى على الأرياف حيث الكثافة السكانية الأكثر تعلّقا
بالمظاهر الدينية.
هذه هي حقيقة المجتمعات السنية عموما وان
كانت لا تنفي وجود عقليات متشدّدة أو حالات إسلامية متزمّتة وهي بثقلها غير وازنة
وخير وأحدث دليل أنّ الجماعة الاسلامية وهي الأوسع والأقدم بين الشرائح لم تستطع
إيصال نائب واحد عن طرابلس أو صيدا أو الضنية أو عكار منذ ثلاث دورات نيابية ولم
تحْظَ سوى بنائب عن بيروت نتج عن اتفاقات وحسابات انتخابية حريرية.
إنّه
الواقع الواضح مهما تنطّح بعض السياسيين الموتورين بنظريات القاعدة والانتحاريين
وسوالف أبو عدس ومهما تفيهق بعض المنظّرين بأجر، ومهما توسّلوا بعض وسائل اعلامهم
لإظهار أبشع الصور وأتفهها دعما لمقولاتهم ونظرياتهم،ولو كانوا على ذرّة من إخلاص
لركّزوا على فقر الناس في طرابلس والجهل المتزايد والنقمة الطبقية التي تتصاعد كلّ
يوم بحدّة في عصر الصورة .
ضمن هذا الواقع المحتقن بالاستقواء
والتجاوزات جاء الأسير ولمع نجمه سائحا ومتزلّجا نائما وصاحيا يمشّط ذقنه أمام
الجمهور على الشاشات،ثمّ تحوّل من مناهض سلمي إلى منذر ومهدّد حتى أتت ساعته ليغلط
الغلطة الشنيعة وليتحوّل هاربا مطلوبا بعد مجزرة من الدماء والأرواح لم تحرّك سوى
أفراد من الشباب المسلّحين ليرعبوا المدينة بضع ساعات قبل أن تعود المدن إلى
سكونها فلا أسير ولا من يغضبون.
أما الجيش فقد أظهر مرّة أخرى أنّه قادر على
الحسم إذا أراد وأنّ كلّ اللبنانيين يحتضنونه ويريدونه القوة الشرعية الوحيدة
لهم،غير أنّ ذلك لا يُعفيه ولا يُعفي الدولة من واجب ردع أيّ تجاوزاتٍ موجودةٍ على
الملأ من أعين الناس والتي يحكي بعضا منها أهالي صيدا اليوم وسكّان عبرا.
والحقيقة الحقيقة أن إنجاز الجيش اليوم
مشكورا لا يمنع المقولة السائدة التي تدور على ألسنة الناس وفي صدورهم: من لا يقدر
على الحمار يتمرجل على البردعة.
والحقيقة الحقيقة أن تضحيات الجيش الجسيمة لا
تمنع وجود تجاوزات أفراده وآخرها الفيديو البشع المتداول لأفراد الجيش يضربون رجلا
على طريقة الشبّيحة السوريين،والذي جعل رئيس الحكومة يسائل قائد الجيش في
أمره،ويجعلنا نحن نتساءل:هل في جيشنا تلك البشاعة ؟ وهل هي فينا في كلّ حال؟؟
أن نحبّ الجيش يعني أن نحاسبه حين يشطّ أو
يحيد لا أن نغرق في ميجانا التطبيل والتمجيد، فهذه سمة عربية بشعة على مشارف
الانقراض،ولا أن نستحزبه من فريقنا لنسجّل موقفا على الآخر فنغرقه في خلافاتنا
وعنعناتنا وهي مقتله في كل حال.
فهل يكون نجاح الجيش بداية لاستعادة دوره
الكبير وتطبيقه القانون بحقّ الجميع دون استثناء أو محاباة أو خوف أو حسابات؟؟فتسترجع
الدولة شرعيّتها وروح وجودها؟
هذا ما نأمل به وهذا ما يريده اللبنانيون
وليعلم الجيش بقادته أنّه أمام نظر الناس وقرارها وأن أي انتكاسة أو محاباة ستكون
بداية انهياره و بداية ظهور المئات من أمثال الأسير بل أخطر والتي ستلاقي في هذه الحال احتضانا من الناس
المقهورة والمحبطة والتي ستنمو وتكبر وتقسّم الجيش وتُحيل الوطن إلى بقع طائفية
ومذهبية تستنبع مقوّماتها من ولاآتها الخارجية،ولن تنفعنا حينها استنهاضات الشوق
للجيش ولا كليبات الصبابة والتحيّات للجنود التي تنتشر على شاشاتنا اليوم.
حسين الجسر
التالي
احتفالٌ بوقف إطلاق النار بصوت الرصاص والقذائف... ضجيجٌ لم ينتهِ!