صوتٌ مهمٌ جدا ووجهٌ رائعٌ ينضح فهما وعمقا وانفتاحا وتحررا ...هذه هي نهلة الشهال، فشكرا للـ LBCI التي تستضيفها مرّة أخرى وأخرى فيعرف اللبنانيون أن طرابلس هي نهلة الشهال وأمثالها وليست زياد علّوكة وأمثاله طبعا.
كنت أتحضّرُ لكتابة المقال الاسبوعي وأفكر فعلا بخطوة الالبيسي في تقديم محطة للناس متكاملة إلا من تصريحات السياسيين وعنترياتهم،فيرتاح الناس قليلا من هرفهم وبخاصة من سفيه القول الذي يتزعّمه من غير منافس وئام وهّاب في أدب الصرماية.
وأنصتّ الى نهلة مع ديما صادق فسررت بهذه الطلّة الراقية وبهذه الثقة الساكنة فرأيت نفسيَ في معظم ما تكلّمتْ ولكن لفتني تلميحها الى القيادات اللبنانية بشكل ساخر ومرير،والذي هو موضوع مقالي الذي كنت أحضّره بعد أن قرأت ما كتب "عمير حق" وهو من المفكرين الخمسين المرموقين والأكثر تأثيرا في الإدارة وخرّيج هارفرد.
ونظرا لأهمية المقال ارتأيت أن أترجمه بقليل من التصرف،غير أني أدعو القارىء الى التفتيش العقيم عن شخصية سياسية لبنانية واحدة تستأهل لقب قيادي أو زعيم،وسترى معي أيّها القارئ العزيز أنّ معظمهم من الفئة الثانية بأفضل الأحوال والتي أسماها الكاتب" المتمنّين" أي الذين يتمنّون أن يكونوا زعماء،وأسمح لنفسي بأن أسمّيهم في لبنان تجاوزا" المهرّجون" وفي أفضل الأحوال القامات الضئيلة.
يقارن الكاتب بين القياديين والمتمنّين ،وهو يرى ان هذا الزمن يعاني من نقصٍ حادٍ وبارزٍ في القياديين وأنّ معظم الحكّام هم من المتمنّين الذين يمثّلون دور القيادي من غير ان يتمتعوا بمواصفاته بل هم يحكمون وفق منطق الربح والإكثار والصفقة والمساومة وكيفية سرقة الأصوات في الانتخابات،والناس يرون فيهم مثالا في واقع يسود فيه منطق النهب والغنيمة.
يقول الرجل: نحن اليوم بأشدّ الحاجة إلى جيل قيادي فالمتمنّون الرابحون ليسوا قياديين بحق،لأنّ الحياة ليست لعبة لنربحها، فأنت تأخذ معناك وأهميتك ليس بما تملك وكم تملك بل هو ماذا تفعل ولماذا، إذا كنت تريد أن تحيا حياة ذات قيمة.
فالقيادي الحقيقي هو الذي يقودنا ليس إلى المكان بل الى أقدارنا المتعددة في سبيل الأفضل لنا، لذواتنا.إنه فعل حبّ في عالم غير مطمئن.
ولأجل ذلك، فالقياديون قلة لأننا نخاف كلمة الحبّ .فلندعها حرة لنشعر بها ونقيسها ونزِنها ونقبل بها ثم نؤمنُ بها لنجعلها تتفاعل فينا.
عندما نستعرض حكامنا ورؤساءنا نرى أنّ معظمهم من المتمنّين. هم يريدون أن يكونوا قياديين لكنهم لا يستطيعون،فهم يقودون الناس الى الاستنقاع والتقهقر والتكسّر والخوف ويتوسّلون الدعة والملذّات التافهة ليخدّرونا بها.
أما القادة الحقيقيون فهم يقودون الناس نحو الحقيقة والقيم والنبل والتساؤل والخيال والفرح واللهفة،نحو التغيير والثورة.
القادة يُغنون أنفسنا والمنتمون يُفقرون الروح .
ثم ينتقل الكاتب الى ستة طرق تميّز بين القادة والمنتمين.
1-الطاعة أو الثورة :المتمنّون يتجاوبون مثل الآلات بشكل روتيني في سبيل الحوافز والمكافأة أما القادة فإنّهم بروح الثورة يعيدون تشكيل الحوافز،وفق مبادئ وقيم لا وفق المربح أو" بونس" آخر السنة،ولأجل ذلك هم يفكّرون بشكل أكبر أهمّ وأصدق.
2- التكيّف والتمرّد :ان القوانين وُضعت للحفاظ على الوضع الراهن ومنع الانحراف وهذا يصحّ في شركة،فالمتمنّون يتكيّفون أما القادة فهم يحطّمون الوضع الراهن عبر كسر القوانين ليدرك الناس لا أن القواعد تُكسر فحسب بل يجب كسرها.إذا كنت تتبع القواعد بشكل حرفي وأعمى فأنت لست زعيما.
3-القيمة والقيم :المتمنّون يخلقون القيمة لإرضاء المساهمين والزبائن والمستهلكين أما القادة فيخلقون ما هو أكثر حقيقة ودواما وزهوا،انها قيمة حياة الانسان، وذلك عبر استحضار القيم في الناس لا القيمة التافهة ،والناس يختارون ما يمسّ الشغف فيهم دائما،
لأن القيمة من غير قِيَمٍ هي مثل تلفزيون الواقع إزاء كتاب مهم،فهي فارغة شاغرة ضيّقة وقاحلة، والذين يخلقون القيمة من غير قيم هم ليسوا زعماء بل متمنّون.
4- الرؤية والحقيقة : المتمنّون يضعون رؤية ويصوّرونها بحركات تفخيمية وبانوراما رائعة،رؤية تلمع.
والزعماء يقولون الحقيقة واضحة كعين الشمس جلية كالفجر ولا مفرّ منها كنصف الليل.الرؤية جيدة وكثيرون يرون فيها الهاما وهم مخطئون.الحقيقة هي الالهام والحقيقة تحرر الناس،والقادة يقولونها لأنّهم يؤمنون أن همّهم الأوّل السموّ بالناس وإخراج الأفضل في نفوسهم.
الحقيقة هي التي تسمو بنا،تفتح لنا الاحتمالات،وهي التي تحملنا لأن نكون ما يجب أن نكونه ونصبو اليه في حياة ذات قيمة ومعنى.
وإن سألت ما الحقيقة فأنت قطعا لست زعيما، وهي للعلم، واضحة نعدد منها( تلوّثٌ بيئي، اقتصادٌ عالمي متوحش ومشوه،طمع سارٍ، ومدراء بنوك يقبضون الف مرة أكثر من المعلمين) (ومعاش مضيف تلفزيوني بالملايين بينما يقبع الملايين تحت خط الفقر )
5- الرماية والهندسة : المتمني يصبّ همه كالآلة الروبوت على تحقيق الاهداف في الحلبة المنصوبة امامه فهو مجرّد رامي. الزعيم يعيد تشكيل الحلبة، فهمُّهُ ليس التحسين فحسب بل خلق واقع جديد فهو مهندس معماري هنا لا مجرّد رامي في لعبة لا معنى لها.
6- المتعةُ أو الحب : قد يقبل المرء بوظيفة أقل معاشا من أخرى لأنه يحب نوع العمل وهذا استمتاع والحب ليس الاستمتاع بل هو الحبّ الكبير الحقيقي الذي يؤلم ويُبهج إنه ما يغيّرنا، ما يحوّلنا، وهو مزية الزعيم الكبرى.
القادة بهم عطشٌ كبيرٌ لأن يحبّوا ،عطشٌ لا ترويه المكافآتُ والإنجازاتُ والتشريفُ ،عطشٌ لا يرويه سوى التغيير ولأجل ذلك وبرغم الكلفة والألم يجب أن يقودوا .
وبعد،فالناس تخشى الحب لأنه المادة الأكثر تفجّرا التي عرفها وسيعرفها وممكن أن يعرفها العالم.فالحب يحرّر المستعبدين ويستعبد الأحرار،وهو وحده ما نملكه حينما نواجه لحظاتنا الأخيرة.
يقول العجوز :يا أولاد لا تؤمنوا بالحب فهو هرطقة . آمنوا بالآلة وبالحساب فآلاتنا ستجلب لكم الكمال.
وأنا أؤمن أن حياة باردة كالحديد ستحمل الينا عالما متوحشا كالثلج.أؤمن أن الواقعية والحساب تحملنا مسافة ضئيلة صوب ما هو حقيقي جميل ونبيل في حياتنا لأن ليس من حساب للحب ولا من معادلة للكبر.لا" ألجوريتم" للفضيلة والمخيّلة والهدف.
حتى الآلة الكاملة هي مجرد آلة.
اذا اردنا ان نقود بعضنا نحتاج الى الحب .يجب ان نصرخ على ماضينا مع الآخرين بلغة الحبّ.نقود ليس للغد فحسب بل لأقدار أفضل نجدها في ذواتنا وذوات الآخرين.
يقال دائما أن القائد يُلهم . هويلهمنا لأنّه يخرج منّا الأفضل فينا، يستحضر الأحلى والأصدق والأنبل في ذواتنا.
اننا نحب الزعيم لا لأنه يرسم لوحة جميلة لحياة أفضل بل لأنّه يستفزّنا لان نخلقها بأنفسنا.
(انتهت الترجمة)
في لغتنا نحن، الزعيم هو من يّزعمُ بقومه لا كما مارسها الزعماءُ على امتداد التاريخ اللبناني عبودية واستكبارا ولصوصية وظلما وتجميع ثروات وعقارات وتوريث أبناء فأحفاد لتستمر فضيحة الدم الأزرق والعضم الأزرق وسلالات الطواغيت.
والزعيم يزعم بقومه فينهض بهم ويستنهض فيهم القيم النبيلة نحو الارتقاء والتحرر والبناء.
أما قيادات اليوم فهم إما من خَلفِ الأمس العقيم أو من طروح حقبة الوصاية الطويلة ،رافق ذلك ظهور المال النفطي والذي سيّد فينا ثقافة المال والتزلّم الأنيق والتسوّل الشعبي الجماعي....فأصبح لزوم الترشّح بأدنى شروطه هو امتلاك ملايين الدولارات أو النوم على صدر ملياردير والنزول في لائحته،ممّا جعل الوطن في قبضة قلّة من الأثرياء يتحكّمون بالبلد وهم جميعهم أصحاب بيزنس ويقودون البلد بعقلية البيزنس وينتصرون لأضرابهم من أصحاب الثروات فلا عجب ان رأيناهم يمرّرون الأملاك البحرية والكسّارات ثم يتهرّبون من حق الموظفين والمعلّمين في معاشاتهم وهم وبعقلية الشركة راضون بأن تبقى 15 ألف وظيفة شاغرة في الدولة طالما أن الشركة ماشية،ولا همّ أن بقي الآلاف من المواطنين بلا عمل،فهذه الدولة تملك أن تدفع فقط معاشات نوابها ومخصصاتهم وتملك أن ترفعها ثم تتكارم على أعضاء مجلس النفط ب25ألف دولار للفرد شهريا وقبل أن نرى غازا هذا إن رأينا.
قيادات اليوم لا يملكون حتى الرؤية كي نصنّفهم من المتمنّين بأقل تعديل فهم إما مأمورون من أسيادهم في الخارج أو ضحلون يقتنصون الفرص كي يحلّوا في كراسيهم بلا حلّ ولا ربط،فهم حتى في الرماية فاشلون.
هل من أمل؟ وقد مدّدوا النيابة ويريدون لكلّ المواقع أن تمدّد في عملية استنقاع للوطن وللناس.
الناس هم الأمل الوحيد وهم القادرون على التغيير، والقادة يطلعون من رحم مدنهم ومن عمق شعبهم ،لا بالمظلّات والاتفاقات بين دوحة وطائف وعنجر...
حسين الجسر
التالي
احتفالٌ بوقف إطلاق النار بصوت الرصاص والقذائف... ضجيجٌ لم ينتهِ!