قرأتُ في "الأوبزرفر" عن تجارب البروفسور الياباني مع الشامبازي ما يُدهش،غير أنّ الذي استوقفني هو تحديد العلماء أنّ الجينات عند الانسان تتشابه بنسبة 98.8 % مع هذا الحيوان.
هو تشابهٌ يدعو إلى التبسّمِ في خلق الله، ثم يثيرُ التساؤل عن ماهيّة هذه النسبة الضئيلة المتبقية وهي 1.20% والتي يختلف فيها الانسان عن الشامبانزي،فما هي تلك الفوارق الرئيسية ؟ طبعا هو الإدراك للكون وللزمن،ولكن فلنتفلسف قليلا في هذا المضمار ونتأمّل ساخرين بعيدا عن السياسة وتوافهها اللبنانية، التي لم تستطع حتى اليوم أن تتوافق على حكومة تسهّل أمور الناس الواقفة وتدبّر قضاياهم في رزقهم وأمنهم،منتظرة إشارة سعودية من هنا وإشارة إيرانية من هناك،حتى أصبح اللبنانيون يترصّدون ابتسامة عبدالله وضحكة روحاني،ليستبشروا خيرا في وطن القناصل الذي لم يستحق استقلاله بعد سبعة عقود.
لم نعرف عن الشامبانزي أنّه عدائيٌّ أو قاتلٌ،فهذا الحيوانُ شبيهنا لا يَذبحُ ولا يقتلُ أخوته،ولم نعرفْ عنه أنّه يعذّب قطعانَ القرود من جنسه ولا يضعهم في الزنزانات ولا يقصفُهُم بالنووي والذري كما فعل الانسان الغربي مع أخوانه في اليابان، ولا رشّهم في الكيماوي وغاز السيرين كما فعل ويفعل حكّامنا العرب ،ولم يرمِهم في البحار كما فعل الأميركيُّ الأبيضُ مع أخوانه من الزنوج تخفيفا لحمولة السفينة ولم يستعبدْهم لقرونٍ في زمن الفصل العنصري،ولم يحرقهُم في الأفران كما فعل هتلر مع أخوانه اليهود.
كذلك لم نعرفْ عن ماضي آل الشامبانزي أنّهم استحدثوا أقبية و آلاتِ التعذيب العجيبة ليعذّبوا بني جنسهم كما فعل الانسان عموما عبر التاريخ،بدءا بالدولاب وصولا الى الأدوات الكهربائية.
ولم نعرف عنهم تديّنهم الشديد فلا هم باعوا زملاءهم فرمانات الجنة ولا أنشأوا محاكم التفتيش ولا قتلوا من يخالفهم العقيدة ولا نكّلوا بإناثهم فوأدوهنّ وظلموهنّ واستملكوهنّ ثم رجموهنّ كما فعلت الشعوب المتديّنة في غابر الزمان بل كما يفعل الكثير من بلداننا العربية والاسلامية حتى اليوم عبر فقه أعور لم يفصل بين مسالك القرون القديمة وبين الدين الاسلامي والذي لا يقول قرآنه الفصل جملة واحدة عن الرجم.
وغني عن القول أن هذا الحيوان ممكنٌ أن يسرق من أخيه جوزة هند مثلا ولكنّه لم يَسْتوْلِ على طعام أخوته كلهم، فما سرقَ خيراتهم وأحلامهم وحرّيتهم وكدّسها في كهوفه، وهو قد يقوم بدور الذكر لكنّه حتما لا يعرف التمثيل ليكذب على شعبه وناسه متخذا دور المخلّص والقائد المفدّى والحكيم المدافع عن الأرض والعرض بينما ليس هو سوى متسلّط سارق مرتشٍ يستقوي على الناس بالسلاح والقتل والإرعاب.
قد يقول القارئ ردّا على هذا الكلام :ولكنّه حيوان.وهذا صحيح فهل يتطلّب من الكائن أنْ يكون إنسانا حتى يرتكبَ كلّ هذه الموبقات والمظالم والجرائم؟؟
فما هي فعلا تلك النسبة الضئيلة 1.2%الفارقة بين الانسان والشامبانزي تحديدا والحيوان عامة؟؟
في الحقيقة لم أجدْ أجملَ من هذا النص أنقله هنا بأمانةٍ وهو يصفُ بكلماتٍ أدبية الفارق بين الإنسان وبين الحيوان،لعلّ القارئ الحبيبُ يستخلصُ ذلك الفارقَ الكبير الذي تشكّله بالظاهر طبعا تلك النسبة الضئيلة.
وقبل أن أضع النصّ لا بد أن أشير إلى ان الله تعالى وصف الإنسان المُسْتخلَف في الأرض على لسان الملائكة بالسافك الدماء و العابث بالأرض،فهو مدانٌ في هذا النصّ الاسلامي تماما كما مع النصّ المسيحي والذي يرى البشر خطأة جاءهم السيد المسيح فاديا ومخلّصا.
أما النص فهو مستقى من كتاب قصّة الإيمان للشيخ نديم الجسر.
يقول النصّ:
فالبهائمُ تجوعُ كما نجوعُ، ولكنّها في نَجوَةٍ من همّ الرزق،وخوف الفقر،وكرْب الحاجة،وذلّ السؤال.
وهي تلدُ كما نلدُ،وتفقدُ أولادها كما نفقدُ،ولكنّها في راحةٍ من هَلَعِ المَثكلة،وجزَعِ الميتمة،وهمّ اليتامى المُستضعفين...
وهي في أجسادها،تلذّذ كما نلتذّ،وتألمُ كما نألمُ،ولكنّها في راحة ممّا يأكلُ القلوبَ،ويُقرّحُ الجفونَ،ويَقضّ المضاجع،ويقطّعُ الأرحامَ،ويُفرّقُ الشملَ،ويُخرّبُ البيوت من المُهلِكات:كالحسد والكذب،والنميمة،والفِرْيَة والقذف،والنفاق،والخيانة،والعقوق،وكفر النعمة،ونكران الجميل...
وهي تعرف،بنوع من الإدراك،ما يَضرّها وما ينفعها،ولكنّها في نجوةٍ من أعباء التكليف،وأثقالِ الأوزارِ،ومَضَضِ الشكّ،وكرْبِ الحيرة وعذابِ الضمير...
وهي تمرضُ كما نمرضُ ،وتموتُ كما نموتُ،ولكنّها في راحة من التفكير في عُقبى المرض،وفراق الأحباب،وسَكَراتِ الموت،ومصيرِ الموتى وراء القبور...
والضواري تَسفكُ الدماء لتشبعَ بلا سَرَفٍ،ولكنّهالا تسفكها أنفا ولا جنفا،ولا صلفا،ولا ترفا...ولا علوّا في الأرض ولا استكبارا... إ.ه
وأخيرا أنهي الكلام ببيت للشعر صاحبه مجهول:
وتحسبُ أنّك جرمٌ صغيرٌ وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ.
فهذا الانسان الذي تجرّأ على حمل الأمانة حين تلكّأت عنها الأرض والسماء،هذا المخلوف المليء بالتناقضات،بالسقطات والإشراقات، بالمخازي والمفاخر،بالعتمات والإبداعات،يسير وئيدا وئيدا نحو الجلجلة أو العقبة، فيتأنسن رويدا رويدا عبر الحبّ ،وحده الحبّ يؤنسنه حتى يبلغ المثال في السماء ،أليس هو من روح الله؟
حسين الجسر
التالي
احتفالٌ بوقف إطلاق النار بصوت الرصاص والقذائف... ضجيجٌ لم ينتهِ!