رغم كل القتامة التي تغشى لبنان واللبنانييّن،تخرج علينا الألبيسي مرة أخرى وأخرى بعناوين الفرح،تخرج بإصرارٍ على أنّ الحياة أبقى وأنّنا سنعيشها كما نريد.
ماذا تخبرنا الألبيسي بصيحة الألوان؟ هي تريد لنا أن نسترجع الألوان من غاصبيها لتعود لنا نحن اللبنانيين حرّة من كلّ قيد واحتكار،ولنلبس منها ما نشاء،فهي الطبيعة بفطرتها ونقائها وحرّيتها،ومن حق الناس أن يكونوا ما يريدون ...هكذا تفعل الأشجار والورود والبحر والنهر، يتمايلون كما يحبون وينضحون بما يخزنون ويحلمون ويهدرون ويغضبون ومتى أرادوا في السكينة يصمتون.
لطالما تماهت الألبيسي بالوطن تداعبه تراوده، تحلمه، تغنّيه، تبكيه وتعشقه.تماهت به حتى أخذت لون عينيه وتلويح وجنتيه،صارت تشبهه ويشبهها، تماهت حتى غدت حبيبته التي ترعاه وتغشاه وتحرسه وترصده ،غدت مهووسة به، تنظم له الألحان وتنسج له الأحلام ،وتستحثّه رويدا رويدا حتى يكون على قدر حلمها وتكون هي على قدر جماله.
تريد وطنا لجميع أبنائه يعيشون فيه أحرارا من أي قيد أو رسن أو تقليد أو تبعيّة...
تريد وطنا للحرية،حرية العيش والتعبير والتفكير والاحتجاج والرفض والتمرّد والثورة...
وطنا للقيم والتحدّي والإثارة والجرأة والتجرّأ...
وطنا للابتكار والتضحية والتسامي والرحمة والتعاضد،والعدل والتوق نحو المساواة وقهر الظلم وقبول الآخر والانفتاح..
وطنا لا تحمل فيه شلّةٌ من الزعماء مبادىء السيادة والحرية والكرامة ثم يزْنونَ بها كل صباح عبر فسادهم ورخص طويّتهم وكذبهم وتذبذبهم ، تناصبها العداء شللٌ أخرى تستحضر ظلّاما وظلاميين فتستفيء بعتماتهم فسادا واستقواء.
وطنا لا يملك نصف ثروته ثلاثة بالمائة من أهله بينما تعيش الآلاف فيه بالفقر والمرض والبطالة والأمّية.
وطنا لا يسرق حكّامه بحر الناس وعرق الناس لينعموا وسلالاتهم بالمال الحرام ثم يتعاركون كالديكة ليرابضوا في مزابلهم وعلى رؤوسنا هم وأبناؤهم جيلا بعد جيل.
وطنا لا تكون المناكفات بين سياسيّيه بلغة الفاعل والمفعول به والشتيمة،وطنا لا يعيّر السياسيون بعضهم بأقفيتهم ليكون سقف الخطاب السياسي فرشةٌ وفرجٌ ومنشفة...
وطنا لا يستغرق الحكام فيه في صغاراتهم متعاركين حول عمولاتهم فيعطّلوا ثروة الناس في نفطها وغازها تاركينها نهبا لعدوّ يسخر منهم ويسرق من اللبنانيين مستقبلهم.
وطن الألوان هو لكلّ الناس في تعدد آرائهم وألوانهم وسجاياهم وأديانهم ونوازعهم.
وطن الألوان ليشعّ من جديد في بلاد تقتل الألوان وتموت بلونها الواحد،فكلّ أحاديّةٍ مواتٌ وتصحّرٌ وكلّ تعدّديةٍ حياةٌ وإبداع...
أنحلمُ كثيرا؟ نعم،فالألبيسي وُجِدتْ لتحلمَ لأنّها من غير ذاك الحلمِ تموتُ،وهي،باتساعها للجميع، ستحيا بعد سنينها سنينا طِوالاً سِمَاناً، لتستقرَّ في وجدان اللبنانيين وذاكرتهم مثل فيروز ووديع،كلّما أفاق لبناني يتشرّبها في صباحه وكلّما غفا سَرَتْ إلى أحلامِهِ.
حسين الجسر
للتواصل مع كاتب المقال aljisr
التالي
احتفالٌ بوقف إطلاق النار بصوت الرصاص والقذائف... ضجيجٌ لم ينتهِ!