باريسُ لم تتغيّرْ و لكنْ ، تغيّرَ القلبُ. ومن باريس ، ترى الوطن بعيدا ولو بالوهم، و هل السفر إلّا وَهمًا نشتريه ليخطفنا من تبلّد واقعنا؟ هنا تلمس بيديك ، كيف يُسرع العالم و كيف نموت بطيئا في عقائدنا و انقساماتنا البدائية. تلمس ذلك في باريس، حيث يحجّ الكون من أطرافه الأربعة نحو قبلة الجمال ، كما يحجّ المسلمون إلى كعبتهم ، فترى خلق الله على تنوّع اللغات والأعراق و الألوان... أولسنا كلّنا عيال الله نُسبّح في ملكوته العظيم في سمفونية متّصلة ، تواكبنا طيور السماء و أسماك البحار و نبات الأرض في صلاة العبادة. و أعزّ ربي الناس كلهمُ بيضا وما فرّقت أم سودا." وتستقرّ في صمتك متسائلا: أين تبتدئ الحقائق و أين ينتهي الوهم. و متى سنَعبرُ نحن أهل آسيا الصغيرة إلى الضفّة الأخرى ، فلا نبقى كالهمج في صراع الآلهة...آلهة جديدة اصطنعناها لتكون متاريسنا في السباق على مصالحنا. ونتساءل أين طريق النجاة في عالم كاد يبرأ من كلّ أدران التاريخ ليساوي بين الناس أجمعين... متى سنبرأ نحن ، فلا نقسّم الناس على الهوية و المنطقة و الزاروب ، ولا نتشخصن في فوبياتنا اللبنانية الشوفينية التي تبعث على السخرية حتى الإشفاق.. إيماني أنّ ربيع الثورات الذي يلفح المعمورة سيدرك الشبيبة اللبنانية ، والثورات كالعشق، تمضي بشغف و ألق و شجاعة... وهي لا تعرف التروّي، ذلك المرض المميت الذي خيّم علينا طويلا. لا قطيع بعد اليوم فالشبيبة ستصنع المعجزات كنظرائها في سائر البلدان. هذا ليس تمنّيا فحسب بل قناعة، فالنهر العربيّ هدر و كل من تمنّع سيبقى مستنقعا في ضحل الوحول. باريس لم تتغيّر و لكن ، تغيّر الحبّ. حسين الجسر