حثيثةٌ هي خطى الأمن والقضاء في مسار جريمتيْ طرابلس المروّعتين وهذا خير دليل على أن تعاون الأجهزة الأمنية وتنسيقها المخلص يعطي نتائج باهرة وسريعة، وأنّ الدولة بشقّيها الوظيفي والسياسي قادرةٌ على الحسم حينما تكون الأطرافُ السياسية متوافقة على أمر ما.
طبعا ليس هذا هو المنشود، فالمواطن اللبناني يريد دولة يعترف بشرعيتها الجميع مرة واحدة لا على أمرٍ دون آخر،وعلى خاطر جهة دون أخرى، وحتى يتمّ المراد، نثمّن هذه الخطوات الجّيدة ولكن تاركين يدنا على قلبنا من النهاية، فنحن شعوب الترقّب في بلد الخذلان و المفاجآت....
المواطن اللبناني عموما والطرابلسي هنا يريد الحقيقة عند قضاء شريف وصارم وهذا حقّه الأدنى والذي تحوّل الى أحلام في سنوات الإغتيال الغابرة.
أما في حال تفجيري طرابلس فنحن نحثّ عليه لا صونا للعدالة وإحقاقا للحقِّ فحسب بل لأمورٍ هي بأهمّية الحقّ إن لم تكن أوْلى وأهمّ.
أولا إنّ بدايات التحقيقات تدلّ على أشخاص من مذهبٍ معيّن ونحنُ نريدُ أن نحصرَ الأمر بالفاعلين والآمرين لا أنْ نحمّل طائفةً بأكملها هذا الجرم الثقيل ظلما وبهتانا فإنّه لا تزر وازرة وزر أخرى،وهم أهلنا أولا وآخرا وهم في أكثر الحالات مثلنا ضحايا المجرمين.
ثانيا إنّ الحسم السريع ضروري جدا لأنّ الناس تعيش احتقانا قويا ولأنّها اكتوت في الماضي القريب من عمليّات التسويف والتغييب ولفلفة الأمور في وطن يعيش على المساومات وها هي الأدلة تشهد على نفسها كلّ صباح بدءا من أمراء الحرب اللبنانية الألى خلطوا بين معاركهم واغتيالاتهم الشخصية،ليعودوا على رؤوس اللبنانين حكاما نوابا ووزراء وزعماء طوائف...
يرى اللبناني ذلك بأمّ عينيه كلّ صباحٍ على امتداد سنواتِ ما بعد الحرب،يراهم طائعا وخائفا ومكرها حتى غدت القاعدة عنده أن تقع الجريمة وينتصر المجرم ويسود.
من هذا الواقع يقوم الخوف أن يتصرّف الناس وفق عواطفهم وغرائزهم إذا ما رأوا مماطلة وتهاونا، فتسيل دماءٌ بريئة وتزدهرُ الفتنة العائشة بين الجبل والمدينة من عقود يغذّيها الذي يغذّيها في سبيل مصلحته ولا همّ له لو مات كلّ العلويين في جبل محسن.
نحن نعترف لكم أيّتها الأجهزة الأمنية كافة بصنيعكم هنا ونثمّن إخلاصكم وجهودكم ونحيّي خطوات الرئيس نجيب ميقاتي الصادقة والحاسمة والجريئة،ولكن نشدّ على أيديكم وندعوكم أن توصلوا الأمور إلى خواتيمها مهما عَظمَتْ المخاطر ،فإنّكم بصنيعكم هذا تحبسون دماء العلويّين أولاً ودماء الطرابلسيين ،لا بل إنكم في أدائكم هذا تحبسون دماء الوطن بأكمله .
أيها السادة ،في قلوب الطرابلسيين لهبٌ لا يطفىء شرره إلا العدل، والقهر يولّد المآسي" فطفّوا" قهر الناس وجروح اليتامى والأيامى والثكالى والأرامل، "طفّوها "بالعدل الكامل والصارم،فهذا المجرم الذي فجع المدينة كان يريد لنا أن نشيّع ألف تابوتٍ فلا تبقى امرأة فينا إلا نادبةً تلبس السواد،"طفّوها" فإنّ صاحب الدم المظلوم يستنصر دماء أخوته ،وإنّ خذلان المقهورين الملتاعين سيجلب النار من خلف الحدود لتأكل اللبنانيين بكلّ طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم.
أللهم اشهدْ أنّي قد بلّغت.
للتواصل مع كاتب المقال aljisr