خطيرٌ جدا ما يجري في لبنان اليوم،فاللبنانيون يتطلّعون إلى الحقائق من خلال الخندق الذي يتمترسون فيه ،وهذا منتهى العمى. فأنْ تنظرمثلا فئةٌ إلى المقاومة من منطلق مذهبي لا من منطلق لبنانيين دافعوا عن أرضهم و أمنهم،وفئة أخرى الى الثورة السورية من منطلق "سيربح أم سيخسر فريقنا"،هو العودة تماما إلى الجاهلية الأولى التي تناصر القبيلة بغضّ النظر عن الحقّ و العدل و القيم الانسانية. الشعب اللبناني اليوم مقسوم إلى فئات ثلاث. أوّلا المتخندقون بين 8 و14 ، وثانيا السواد الأعظم من المعتّرين،وهم الدهماء يُقادون من ميل إلى آخر بواسطة الدين و المذهب و المال،و ثالثا الفئات المنفتحة و المثقفة وهم القلة في لبنان العظيم. مشكلة لبنان الأساسية أنّه استورد الديمقراطية باكرا وطبّقها فكان كالصبي الصغير الذي التحى،فلا هو قادر على انتزاع لحيته و لا على العيش معها.الديمقراطية ثقافة تنمو في المجتمعات بشكل بطيء و حثيث،فلا تُستورد كاللباس الجاهز نتعثر في ارتدائه لصغر قامتنا عليه فتأتي النتائج في قمة السخرية وتتجسّد في نواب جهلة و ضحلين، نستأمنهم على حاضرنا و مستقبلنا. نحن في لبنان وصلتنا الحضارة لكنّها لم تنغرس فينا. فالحضاريّون لا يستعبدون الأجيرعندهم و لبنان بين الدول الأوائل التي تمارس العنف و الإذلال على الخدم و الأجراء،والحضاريون لا يطلقون الرصاص ابتهاجا كلّما عطس ديكٌ سياسيٌ عندهم،و الحضاريون لا يبيعون أصواتهم الانتخابية في سوق النخاسة ولا يُستَجْلبون إلى الساحات للصراخ و التصفيق لقاء سندويش و ببسي و خمسين ألف ليرة،والحضاريون لا يستصرخوا أولادهم في الأمن العام والدرك أو الجيش ليشبّحوا على الضعفاء ويضربوهم انتصارا لغضبهم ،و آخرها ما فعله بطل الأمن العام حين ضرب الهندية و زوجها لأن المرأة لم تلبّ رغبات أمه السكرتيرة، كذلك ما فعله الدركي العالي الرتبة في طرابلس عندما هجمَ على بيت و جلب صبيا في الرابعة عشر لأنّ هذا الأخير تخانق مع ابنه في المدرسة..."شي حلو". الحضاريون أساسا هم أحرار ويرون الحقائق بعيون موضوعية ويحاكمون الأمور وفق قيم حضارية فلا يتمترسون كالبهائم في خنادقهم و يتبعون الزعيم كالمواشي. في بعض مفاصل تاريخ الوطن على القلة المتبصّرة أن تتولّى أمر الناس في تطوير قوانينهم و الارتقاء بهم،ولكي نصلح العطب الذي تعايشنا معه منذ قيامة لبنان ،علينا انشاء مجلس حكماء على سوية فكرية عالية ليواكب الدولة في مسارها لنقل الناس من الغوغاء إلى المواطنية. لبنان اليوم في أسوأ الحالات إزاء هذا الانقسام البهيمي القائم على الوصولية و الماكيافيلية و الطائفية والمذهبية فالقبلية.... مفردات تبعد عن الحضارة ألف عام. أملي بالقلة المتعلّمة ، فقد حطّمت لي هذه الأيام كلّ أساطير رجالاتنا فما عدت أرى فيهم كبيرا ولست أرى خلاصا إلا بالشبيبة، فعليها وحدها الرهان.