مجلسُ الشيوخ الإيطالي طردَ سيلفيو برلوسكوني على خلفيّة التزوير الضريبي ثم حكمَ بحبسهٍ وهو الرجلُ الاسطورة الذي حكم إيطاليا طويلاً عبر امبراطورية من المال والاعلام والنساء وما فيها من رشوةٍ وسكسٍ واحتكار.
سابقةٌ في إيطاليا مهمةٌ نتطلّع إليها في لبنان كحلمٍ بعيد أو فانتازيا مراهِقة، فمن يتجرّأ على مجرّد ذكر البرلوسكونيين عندنا وهم كثرٌ والحمدلله وهم يمتازون عن الرجل الإيطالي بالكثير من المزايا ...فهم بمعظمهم عريقون أوّلاً، يتحدّرون من إرثٍ كبيرٍ يجذّرُ تسلّطهم وهم بمعظمِهم ضالعونَ في القتلِ والمذابحِ ثانيا، عبر حربٍ كانوا امراءها وسماسرتها،وهم أولاً وآخراً يحملون شرف العروبة أو السيادة المتقابلتين في هذه الأيام البشعة،أين برلوسكوني منهما ومن قدسيّتهما...
نحنُ في لبنانَ،حتى موظّف الجماركِ قبضايٌ يَخُضّ الدولة ويقتلُ الصحافيين علناً ويُحملُ على الأكتاف، ثم يأتي وزيرهم ليساويهم بالضحايا بكلّ صفاقةٍ أو سذاجةٍ،ليُحالوا صُوَرِياً على التحقيق قبل أن يَخرجوا قريباً، منصورين وراسمين درساً مهمّاً لكلِّ من تراودهُ نفسه من الصحافيين أن يدقّ بملكوتِ الأسيادِ في الدولة،أزلامِ الآلهة البرلوسكونيين المذكورين أعلاه.
نحنُ في لبنانَ جبابرةٌ،حتّى الجامعات العريقة المؤسّسَة من 143 سنة نحوّلها بشحطة قلمٍ إلى جامعة للزعيم،وكما صرخ سامي الجميل الذي كنّا نتوسّم فيه اعتدالا ما،أنّ اليسوعية جامعة البشير، فغداً يُسمّون الجامعة الأميريكية جامعة "قليلات ما"مثلا، وجارتها بجامعة قريطم، أمّا الجامعة العربية فستكون حتما للرئيس برّي وهلمّ جرى فيكفي مروركم المقدّس بها كي يَصِمَها إسمُكم المبجّل، بلْ يكفي أن تكون في حيّكم وزقاقكم حتى نحوّلها إلى تكية لحضرتكم.
ومن يدري، فبعد طرقاتنا التي تُسمّى كلها بأسماء السياسيين، من غير إسمٍ واحدٍ لمفكرٍ أو فنّانٍ،قد تتحوّل المدنُ إلى أسماءِ الأمراء عندنا فنقول جديدة الحريري وضاحية نصرالله الخ من المدن وقد غدتْ دساكرَ وجبهاتٍ، آخرها طرابلس التي يرى قادة المحاور فيها أنْ لا حياةَ لعلويٍ فيها، وهاهي باسم اللجنة العسكرية لأولياء الدم تقوّص العلويين بأرجلهم أمام عيون الدولة الساكتة تتراقص على أرجلها تردّداً ومواربةً ومراهنةً ومساومةً وخوفاً وكأني بها ترضخ لشريعة الشارع أو أنّها تستمرئ الواقع لغاياتٍ في نفسها.
وقد يشذّ بعض الجهّال المتحمّسين من طرابلس وسواها غير أن الطرابلسيين جميعهم بتاريخهم وحاضرهم يعلمون أنّه عارٌ كبيرٌ على المدينة أن يُقتل الناسُ فيها على مذهبهم وطائفتهم،فلنرفض بالصوت العالي والقويّ هذه الأعمال التي لا يبرّرها شيءٌ في الدنيا حتى لو كان متفجّرات يتّمت الأبناء وثكلت الأمّهات،فالعدل يؤخذ في القانون،والعدل مطلوبٌ من الدولة،فهذه الدماءُ في رقابِ رؤساء الدولة أبدا حتى يحقّ الحقّ.
وبعدُ وبعد، فإلى البرلوسكونيين العاصين على كلّ قانون ومحاسبة في دولتنا،نقول لهم ولأزلامِهم في المؤسّسات العامرة بالسرقات والتشبيح والسمسرة،مهلاً مهلاً...عليكم أن تُدركوا أنّكم لستم أكبر ولا أعصى من الحكّام العرب الألى اندحروا والذين سيندحرون...وأنّ الخطوة التي قام بها إعلاميّو الجديد لنْ تكون يتيمةً،بل هي البدايات لإعلامٍ استقصائي جدّي يُطاولُ كلّ المؤسسات وكلّ السياسيين وكلّ المحرّمات ويدخلُ القصورَ الحرام والعقارات الحرام المسروقة من دمِ اللبنانيين وعرقهم،وأنّ حقّ الناس فوق كلّ حقٍّ وأنّكم جميعكم مهما تحصّنتم ستُحاسبون،ففي زمنِ سقوط الرؤوس الغليظة تُصبح كلّ الرؤوسِ التي تليها تحت مقصلة الناس.
حسين الجسر @aljisr