الحزنُ غيمُ القلب ...وآهٍ من الغيوم في قلوبِ الأحبّة الفاقدينَ أحبابَهم ،إنّها تفيضُ في الوطن،في بيروت تفيض وفي طرابلس،أنهارا من الآلام.
ما أعتاكَ يا موتُ،وكيف لقلوبنا الهشّة أنْ تحتملَ هذا القدْرَ الكبيرَ من الحزنِ والقهرِ والدموع...
ما أقساكَ يا موتُ وأنتَ تُحيط بنا من سنينَ،تخطفُ أحبّتنا وتقتلُ نسْغَ الحياةِ في نفوسنا وتتركنا هائمينَ في ليالِ الثكلِ والفجيعة..
كلُّ المصابينَ يعودونَ إلى ربّهم زمنَ الفجيعة وأنتَ أيها القاتلُ إلى من تعود؟ ونحن نعرفُ أنْ لا ربّ لك لأنّك لا تعرِفهُ...
أنتَ أنتَ إيّاكَ تعاودُ القتلَ والتفجيرَ في أعمقِ ملحمةِ موتٍ سيرويها التاريخُ وليس أمام ضحاياك إلا الصلاة والبكاء...
أنا أؤمنُ أنّ الله يسمعُ أنينَ الأمّهاتِ المفجوعات،أنا أريدُ أنْ أؤمن أن الله جلّ جلاله يغضبُ ويهتزّ عرش الرحمن أمام جراحِ الأمّ على ولدها محمد الشعّار ودموعِ الأبِ على محمد الشعّار وبكاءَ الشباب على تابوتِ أبيهم محمد شطح...
أؤمنُ،لأن الله هو الذي زرع في قلوبنا المحبة والرحمة واللهفة وأننا مهما اجتهدنا وفكرنا لن نعرف السرّ في هذه الحياة وفي هذا الموت...لكنّنا فُطرنا على العدالة ،وهل لنا في هوْل هذه الأيام السوداء ..هل لنا من دون الله كاشف؟؟
من زمانٍ دخلتْ طرابلس في حمّام الموت ،من يوم فُجّرَ الزعيم رشيد كرامي ورشيد كرامي لم يكن مجرّد رئيس حكومة كسائر الرؤساء، بل زعيماً يحبّهُ الناسُ ويعيشُ بينَ أهله وفي مدينته، ورشيد كرامي كان مسالما وكبيرا و مملوءا بالخير لكنّهم فجّروه...
حمّامُ الموتِ لم يتوقفْ في الوطن ...أخذَ الطفلة مايا بشير الجميّل ابنة السنة والنصف في انفجار الأشرفية،وأخذ زهرة الشباب صلاح ابن عصمت عويضه،وكان صلاح جميلاً ويافعاً وبهياً حينما خطفه الموتُ مع ثلّة من الشبيبة في انفجارٍ وهم يتسامرون أمام بوظة البلحة في الميناء...
وتكرّ السبحة،فهذا الموتُ لم يعرفْ صغيرا أو كبيرا ولا غنيا أو فقيرا فهو امتدّ كالطاعون في جسد الوطن وصار يحصد الأبرياء من الشهيد رفيق الحريري إلى آمنة ومحمد وأحمد عبوس، آخر ثلاثة أطفال احترقوا متعانقين في السيارة وهم ينتظرون جدّهم لينهي صلاته في مسجد التقوى في طرابلس...
كلّ الأحباب الذين ماتوا خلّفوا ندوبا لا تزول في صدور أمّهاتهم وآبائهم وزوجاتهم وأولادهم،كلّهم من أبرياء الضاحية والرويس إلى طرابلس والميناء...
الوزير محمد شطح لم يكنْ أميرَ حربٍ ولا زعيمَ شلّةٍ أو حزبٍ بل مثال الرجل الراقي الأنيق في ثقافته وأدائه ومعارضته،وكان الطرابلسي الخيّر العطوف على "السَكتْ" من غير تبجّح ولا ادّعاء...
أما محمّد الشعار فهو يُدندنُ الآن مع صلاح عويضة ورفاقهم أغنية محمود درويش"خذيني أمي إذا عدتُ يوما وشاحا لهدبك وغطّي عظامي بعشبٍ تعمّدَ منْ طهرِ كعبكِ وشدّي وثاقي بخصلةِ شعرٍ بخيطٍ يُلوّحُ في ذيلِ ثوبِك"، ولا بدّ سينضمّ إلى باقةِ الزهورِ مع الرفاقِ الشبابِ البراعمِ أمثاله ليتفتّحوا في السماء فيكونوا جداولا من رياحين..وعلى أرائك الجنة لاعبين...
أما أنت أيها القاتل المسخ فجلّ ما حصدتَ عبرَ السنين، هذا الشحارُ الأسودُ يملؤ رئتيك...فلا أمّ لك تبكيك ولا ولدا يدعو لك بالخير...
غير أنه لنا ربٌ يُمهِل ولا يُهْمل .
حسين الجسر @aljisr
كاتب لبناني.آخر رواية صدرت له عن دار النهار،2010 "إغماضة عيون
التالي
احتفالٌ بوقف إطلاق النار بصوت الرصاص والقذائف... ضجيجٌ لم ينتهِ!