يحلمُ اللبنانيون اليوم بوطنٍ باتَ بعيدَ المنال،وطنٍ يأمنون فيه من القتل وقد غدوا يموتون فيه كل يوم قليلا..
اليوم تحديدا يتطلّع الناس إلى حلمهم ويرونه بعيدا بعيدا ومستحيل المنال.
وأي وطنٍ نبتغي وحالنا حالَ القبائل الفجّة المتنافرة،كلّ فصيل يحمل رايته ودينه القبلي وأساطيره ويرمي الآخر بالكراهية والتخوين والتهديد والتفجير؟؟؟
أي وطنٍ نبتغي وقد عدنا للوراء ألف سنة لنطلعَ أحقادنا وثاراتنا محققين الهمجية القديمة في القرن الواحد والعشرين؟؟
تطلّعوا إلى أنفسكم في التايملاين الحديث من تويتر وفايسبوك،لتروا كيف غدوتم فصائل من الجاهلية العبثية المتنافرة...
كلّ ينادي طوْطمَه ويصرخ،كلّ يفحّ جهالة وكرها،وها نحنُ جميعنا،بعدما حطّمنا الأوثان في سبيل التوحيد،نعيد آلهتنا الأولى،نغني لها كما غنى الجاهليون آلهتهم
ينظر الغريب الينا فيرانا جميعا نعمل في سبيل إله واحد نعبده، ثم يرى هذا الإله مبعثرا في كل جهة كأنما يتحارب مع نفسه،فيقود فرقة هناك وفرقة هناك...
يحلمُ اللبنانيون في وطنٍ يرونه في أوطانِ الآخرين، وهاهم بعد أربعين سنة من الحروبِ والقتلِ والتدميرٍ والمهانة،ها هم يرون وطنهم عائدا الى نفس المستنقع بينما تعمرُ أوطان الآخرين وتزدهر.
فهل قدرنا أن نكون وقود الآخرين في معاركهم وأطماعهم؟؟
من يسترخصُ أرضَنا وناسنا فيجعلهم دائما مطايا حاضرين للموت في سبيل غيرهم؟
من يرانا وطنا ضعيفا فيستبيحنا ويستقوي علينا ويقدم أبناءنا قرابين في سبيل ديمومته ومصالحه وأطماعه وأحلامه؟؟
هل نحن وطن عن جدّ؟ أم مجرّد ساحة لها علم مظهري يطؤها من يشاء حين يشاء؟؟
هل عندنا حكام حقيقيون أم مرايا لأوامر الآخرين ؟
هل نحن مسرحية درامية يقوم الناس فيها بأدوار الحكام والمواطنين؟
ولما الكتابة عن وطن وجيش ورؤى ما دام جلّ همنا الوحيد أن نخلص من تفجير اليوم لنتحسس رؤوسنا مترصدين انفجار الغد عبر انتحاري مؤدلج أو مجاهد مفبرك،أو لنستطلع لائحة القنص في طرابلس أو عدد العلويين المقنّصين من قبل زعران السنة الفالتين من ملاحقة الدولة في سرّ خبيث لا يعرفه أحد...
هل هذا وطنٌ أم مأوى للقتل؟ هل نحن حقاً مجرّد مبغى للعروبة والعرب؟
نحن من يوم صاغونا بدأنا فرقا متخابثة،كلّ فريقٍ يحمل تقيّته ضدّ الآخر،فأقمنا وطنا من المؤامرات والاستقواء بالآخر الغريب على بعضنا...
نحنُ في الزمنِ الذي وضع الحدودَ لدويلاتنا رخّصنا الحدود وفي زمن الولاء للأوطان رهنّا ولاآتنا للآخرين،نحن حين من زمن بعيد احترفنا العروبة مهنة وتجارة وارتضينا أن نكون صدى لأصوات الآخرين،ضاع صوتنا ورخصتْ كرامتنا وهنّا على كلّ غريب،فغدونا فرقاً مبعثرةً يتناوب الآخرون علينا ويأمروننا لنأكل لحم بعضنا ...
نحلم بوطن؟ كيف وقد غدا حكّامنا جميعهم ماريونات من صدى لصوت الآخرين؟؟
ومن لا صوت له لا كرامة له..
فلنعترف أولا بهذه الحقيقة البشعة فلنعترف أولا ومن بعد ذلك يبدأ الخيار...
فالخيار يصنعه الناس الأحرار لأنفسهم .
هل نريد أن نكون مواطنين في وطن واحد أم مجرّد رعايا يرعاها مهرّجون يردّدون صدى أسيادهم الآخرين؟.
مبروك عليكم الحكومة القادمة والتي تأتي نتيجة غزل اسيادنا المؤقت،مبروك علينا هذا القدر المؤقت في أرض الكذبة الكبيرة والموتِ الرخيص...
حسين الجسر @aljisr
كاتب لبناني.آخر رواية صدرت له عن دار النهار،2010 "إغماضة عيون
التالي
احتفالٌ بوقف إطلاق النار بصوت الرصاص والقذائف... ضجيجٌ لم ينتهِ!