كنا في المجلّة التي أنشأناها شبابا في مدرسة الفرير نخصّص زاويةً تحت اسم الدبابيس نسخر فيها من رعونة بعض الأساتذة وهم يمثّلون يومذاك لنا ما يمثّله المسؤولون والوجوه العامة للمواطنين، وهكذا أفعل اليوم، فالمقالة عندي تميل الى السخرية القاسية من سياسيي اليوم والقيّمين علينا ،وأنا لا أسعى لإرضاء سوى الناسِ والحقيقة، وآخرُ همّي إنْ حرِدَ المسؤولُ أو غضب ،بل هدفي إزعاجهم لعلّهم" يحسّون على دمهم" ويستحون، وهدفي أن يُصبح القارىء هو المحاسبُ، فالقارىء المواطن هو الأساس في كلّ كتابة، وهو الملكُ أولا وآخرا لأنّ السلطة الفعلية هي للناس وهم وحدهم السبيل للتغيير المنشود دائما وأبدا نحو العدل والترقّي والابتكار والتقدّم في سبيل حياة يضيف كلّ واحد منّا عليها إضافةً إيجابية، بدونها لن نكون سوى كائنات بهيمية تأكل وتشرب وتتناسل وتموت كالبهائم تماما، تعيش بانتظار موعد ذبحها....
السكس ليس عيبا بل غريزة يلجم جموحها العقل ولكن من الملفت للنظر كيف أن الأكثرية تميل الى البحث عن كلمة سكس،وهذا ما جرى في المقال الأسبق "سكس وحضارة" حينما بلغ عدد المشاهدة الخمسين ألف مّما استدعى الوقوف عند هذه الأرقام الوهمية فلا موقع المحطة هو النيويورك تايمز ولا أنا توماس فريدمان،حتى وجدت وبمساعدة الزميلة جيسي أبو حبيب أنّه وبمجرد أن تفتح موقع غوغل وتكتب سكس حتى يطلع المقال في المقدمة مما يفسّر الميل الشديد للناس نحو كلمة سكس فيكبسوا عليها وآخر همّهم المقال المذكور.
أما في المقال السابق فقد كان أغلبهم قرّاء حقيقين بلغوا العشرة آلاف وبمساعدة "أفخاذ جاكي شمعون الجميلة" ولكنّ المقالة كانت مُغرقة في السخرية المرّة والنقد اللاذع الإيجابي، وإن أتى وسيأتي من ورائه الحرد والملاومة من المذكورة أسمائهم وممن يناصرونهم في الحق والباطل وما همّي إن مقتوا فلطالما عملت على نيل الاحترام وتفضيله على التحبب والظرافة وفق القول الفرنسي الشهير "فليمقتوني شرط أن أظل محترما في نفوسهم."
أنا لست من الأشخاص الذين يهوون التشفّي بالأخر وهي صفة بشعة ،لأني لا أحمل ضغينة ضد أحد وربيت على طريقة احترام الآخر أو احتقاره وفق أعماله،وبالرغم من السخرية المرّة التي أتوسّلها فإنّي أشعر بالألم حقا حينما أرى كم أننا نحن الناس العاديين لا قيمة لنا في نظر أكثر المسؤولين في هذا البلد الذين يبيضون علينا كل يوم بالقيم والشرف وهم في سريرتهم تافهون وجاهلون ورخيصون يقلّبون مواقفهم ويغيّرون مبادئهم ويعبئون جيوبهم وجيوب أنسبائهم بمالنا ورزقنا وعرقنا ،وأكثرهم خبثا هم فئات من رجال الدين في كل الطوائف الألى ينصّبون أنفسهم آلهة علينا وديّانين، متحدّثين بالفضيلة والأخلاق والتسامح وهم في الحقيقة جامدون ومغلقون وجهال وفوق ذلك يكذبون ويزنون ويسرقون وما أفصح القحباء حين تحاضر بالعفّة،وهم وفوق إساآتهم البالغة للناس يسيئون أولا إلى أضرابهم وزملائهم الشرفاء والأطهار والعلماء وإلى الدين السماوي نفسه الذي يدّعون حمله والدفاع عنه....والأمثال لا تُحصى ولا تُعدّ وهي قديمة جدا وحديثة ،فأنا وبحكم معرفتي أشهد مثلا أن المحاكم الشرعية في بلادنا من أسوأ وأفسد المؤسسات ومرضها قديم قديم،واستشهد بقول أحد كبار رجال الدين سنة 1945 : "إنني يائس من حال المحاكم الشرعية السنّية حتى أكاد أنادي بإلغائها وتحويلها للمحاكم المدنية".
وها نحن اليوم وبعد مضي سبعين سنة نرى من لا يتورّع عن تزويج قاصر من غير إذن أبيها وأسلمتها رغم أنّها قاصر كما أعلمنا جو معلوف في برنامج "حكي جالس"،وهو عملٌ يحملُ جرْمين ،جرم التزوير والحرمانية، ومن غير أن يرفّ له جفنٌ ديني أو انساني حتى،ولا نعجب من ذلك حينما نعلم أن عقوبته في دولة قوانين التنك هي خمسون ألف ليرة فقط لا غير،أما الجانب الآخر من الاكليروس المسيحي فإن الكثيرين منهم يستغلّون جمود نصوصهم في منع الطلاق ليبتزّوا الناس بمبالغ كبيرة كي يدبّجوا لهم طلاقا عبر فذلكات كلامية وفقهية أو حتى عبر اختراع الكذب فيقولوا مثلا أن الزوجة زَنَتْ "وهو عمل يجيز التطليق" فيكونوا بذلك كذبوا والأدهى سفكوا شرف الحرمة ونهكوا عرضها....فأي قيم دينية يحملون؟؟
لم يعد من الجائز السكوت وها هي الأصوات الحرّة بدأت تتكاثر ضدّ ما يسمّى الابتزاز الجنسي للقصّار من قبل الاكليروس في الغرب،وبدأت الملفّات والمحاكمات تفتح لتحاسب، مما سيدفع بالبابوية الى اتخاذ تدابير جديدة للإدانة،وها هي الموجة امتدت الى لبنان عبر سلسلة من الفضائح المماثلة والتي تواجه حربا ضروسا من قبل المؤسسات الدينية، فعسى أن يحذو كل اللبنانيين من الطوائف الأخرى حذوهم ويكسروا هذا الطوْطَم القابع على نفوسنا وألسنتنا من مئات السنين،وليعلم الجميع أنّ الأمر ليس مجرّد محاربةٍ لابتزازٍ جنسي أو لابتزازٍ تشريعي ديني عبر لوي عنق الدين وتصريفه وفق الهوى والجشع المالي ، بل الأمر أخطر بكثير حين يعلم الجميع أن ابتزاز القاصر قد يصيبه بعاهات نفسية وخيمة تصاحبه كل حياته وامراض جسدية تضربه وتحوّله الى مريض كرونيك، والأمثال هائلة أستشهد بواحدة منها عرفتها عن كثب لطفل تعرّض لهذا الأمر ثم ظهرت معه أعراض السكّري في أوّل عمره وهو يعيش اليوم في بؤس وألم في ألمانيا التي أخذوه اليها للاستشفاء دون نتيجة إيجابية، وهو باعتباري قتلٌ أشد من الاعدام بحيث يموت الشاب كل يوم ألف مرة....
طبعا هذا الموضوع يعود أيضا للعنف الذي تتعرّض له المرأة اللبنانية من قبل زوجها وأقاربها والتي لن تنفع في معالجتها التوعية فقط بل علاجها يكمن في نفض القوانين الرثّة والتي تتستّر بالدين واستحداث قوانين عصرية حازمة تحمي وتشرّع لامرأة كاملة البني آدمية تساوي الذكر في الحقوق والواجبات والعلم والعمل فلا تبقى أكثر النساء في لبنان مجرد مسترقّات مستعبدات اقتصاديا ودينيا تحت مسمّيات كاذبة ومتعهّرة كالزوجة والشريكة،وهذا الأمر لا يتم الا حين تستقل المرأة اقتصاديا.
فليكن لدينا الجرأة والشجاعة الأدبية للقيام بذلك بدل أن نتشاوف في تحرّرنا الزائف عبر التقليد الأعمى للآخرين في المساكنة الخبيثة ،أو العطعطة والزوبنة وما على وزنها تحت مسمّى" الإسْبري لارْج"
أو تحت المسمّى الديني كالجارية وملك اليمين والذي يسترجعه بعض الديوك الفارغة عن تخابث أو بعض مساطيل العقول عن جهلٍ واستنقاع...
حسين الجسر @aljisr
كاتب لبناني.آخر رواية صدرت له عن دار النهار "إغماضة عيون".