يقول ابنُ الرومي : يقتِّرُ عيسى على نفسِهِ وليس بباقٍ ولا خالدْ
فلو يستطيعُ لتقتيرِه تنفّسَ من منخرٍ واحِدْ
هو مزيجٌ من عقلية وطباع ،ولطالما استذكر في آخر زياراتي للمرحوم الشيخ يوسف الضاهر في بيته في جلّ الديب بعد أن أجبرته الحرب على ترك قصره في طرابلس الذي عاش عمره فيها مع ناسها ...وكان في كل زيارة يروي لي ضاحكا قصة صاحبه التاجر الطرابلسي ابن عويضة والذي كان يكتب كل محاسبته وديون التجار له على جدار محله إلى أن أحبّ ولده أن يُبهجَه ففاجأه بدهان المحل فذهبت كل القيود وطار عقل الوالد من نكبته...يرددها الشيخ الحبيب ويضحك بصوت خفيض ملء وجهه...
صديقتنا التي استطاعت أن تقلب نقمة زواجها إلى نعمة فراحت تروي بهضامتها المشهورة نوادر زوجها البخيل جدا،ومن رواياتها أنّه كان يصرّ عليها حين تسكب الزيت من القنّينة بتروّي أن تمسح القطرات المتساقطة بلسانها كي لا تضيع هدرا في الخرقة،ومن أحلى نهفاته أنّه جاءها يوما واقترح عليها أن تفعل كجارتها التي تستعمل الصفوة بدل مسحوق الآرييل في غسيل الأواعي،وأحلى ما بلغ في بخله أنه يستعمل ورق الجرائد التي يلمّها بدل ورق التواليت...
القدماء يقولون عن البخيل المقتدر:يعيش فقيرا ويموت غنيّا،وكثيرون يأتي بخلهم من خوفهم من الفقر فيصحّ فيهم قولُ المتنبّي : ومن قضى العمرَ في جمع ماله خوفا من الفقر فهو الذي جلب الفقرَ.
أعرف رجلا ستّينيا ورث منذ ولادته ثروةً ضخمةً وهو لم يصرفْ قرشا منها بل عمل على زيادتها بالفوائد وهو لم يحب ولم يتزوج ولم يقتنِ سيارة،ويأكل في أقل المستوى ويضحك،ولا أعرف إن كان يضحك على نفسه أولمعرفته الأكيدة أن الضحك ببلاش...
والبخلاء أطوار وأجناس فمنهم من يصرف على ذاته ويبخل على الآخرين ومنهم من يبخل على أهله ويصرف في عمل لخير لاعتقاده أنّه يوظّف مع ربّه لنفسه تحديدا...
والبخيل عموما دنيّ النفس لأنه يرى الصغيرة كبيرة ويجرّه شحّه إلى الاستسهال في ترك الآخر يدفع عنه وإلى غمط الحقّ أحيانا أو قبول الذلّة صوناً لمربح أو طمعاً بمكسب أو اشتهاءً لما ليس له....
وأنا لم أصادف في حياتي شحيحا كريم النفس أبدا...ولطالما كشف المال تحديدا سرائر الآخرين ومكامن زلّتهم،ولم أتصوّر في حياتي شحيحا عاشقا،وقديما قال جميل بثينة :سليني يا بثيْنة مالي فعند المال يُبيّنُ كلُّ ضنينِ...
وقد أعجبتني جملة قرأتها حديثا تقول ليس الغني من يملك بل الغني من وكم يعطي أو يصرف.
Being rich isn’t about how much you have but how much you give.”
ورغم صحة هذه المقولة غير أن الإسراف في الصرف لا يقل بشاعة عن الشحّ وبخاصة حين يجري للاستعراض على الآخرين أو لتعويض نقص في النسب أو الحسب أو الثقافة أو الفكر والأشد وقاحة حين يأتي الاستعراض من أثرياء الحرب أو لصوص الدولة والناس، متبعين الحكمة الشهيرة :أبتِ الرذيلة إلا أن تمدّ بأعناقها".
وأخيرا فإنّ خيرَ الأمور الوسط أو كما تقول الآية الكريمة :"ولا تغللْ يدك إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسط"
والأهم أن لا يلبس المرء ثيابا فاخرة وحلى تكون أغلى منه شخصيا لكونه شخصا تافها وفارغا وصغيرا.
حسين الجسر.
–email :hussein@husseinjisr.com
@aljisr
كاتب لبناني.آخر رواية صدرت له عن دار النهار "إغماضة عيون".
التالي
احتفالٌ بوقف إطلاق النار بصوت الرصاص والقذائف... ضجيجٌ لم ينتهِ!