انتخابات الرئيس لم يسبق لها مثيل على الأقل في السنوات الثلاثين الماضية، فجميع من أتوا سابقا إلى هذا المنصب جاؤوا بظروف غاب عنها الأقطاب الحقيقيون أي الزعماء الكبار في طائفتهم.
أما وقد أفرِج عن هؤلاء الأقوياء بمخارج مختلفة، انقسمت الساحة المسيحية فيما بينهم على أقدار متفاوتة ممّا أوصلنا إلى الصورة الحالية اليوم في ضوء الاستحقاق القادم، فما هي العلائم المميزة لهذه الصورة الحالية؟
يجب التذكّر أولا أن الطائف منح السلطات الحقيقية في البلاد لمجلس الوزراء مجتمعا فأصبح رئيس الجمهورية رئيسا كسائر الرؤساء في الطوائف الأخرى مع الاحتفاظ بالرمزية في تمثيل الوطن والحفاظ عل الوحدة والقسم وهذه في الحقيقة صفات إنشائية يحتاج اللبنانيون قطعا إلي رمزيّتها لكنّها لا تبدّل في الواقع شيئا، فلا يجب أن يتحسس أحد منه في حالة نكوص لنوستالجيا الزمن الجميل ،ومن هنا غدا المنصب بأمسّ الحاجة الى أن يكون صاحبه ممثلا فعليا لطائفته وصاحب كتلة برلمانية قوية تمنحه هي الأخرى حصة وزارية كبيرة ،ليجعله ذلك شريكا فعليا وفاعلا أسوة بالرئيسين الآخرين ...
إنّ الأحداث أثبتت وتثبت كل يوم حقيقة هذا الواقع، وها هو رئيس مجلس النواب يمتلك كتلة نيابية وازنة وشعبية وازنة في ربعه الشيعي، كذلك الأمر في رئاسة الوزارة التي يحكمها زعيم الربع بالتوكيل بسبب الظروف الأمنية ويملك معها كتلة نيابية كبيرة...فلما لا يكون الأمر مشابها عند رئيس الجمهورية في الربع الماروني تحديدا والمسيحي عموما؟
نتيجة ذلك يتصارع اليوم وخلافا للسنين الثلاثين الفائتة أقطاب أقوياء في ربعهم يمتلكون كتلا نيابية ويعقدون أحلافا مع الآخرين،فهاهي الطائفة الشيعية بأكثريتها تؤيد الجنرال عون والطائفة السنية بأكثر من ثلثيها تؤيد الحكيم في لعبة صراع الأحلاف وعلى سنّة عدوّ عدوّي صديقي، ولو كان الأمر وقفا على الطائفة المارونية لأتى الجنرال رئيسا بلا استثناء.
أمام هذا الصراع وهذا الاصطفاف وأمام تعثّر وصول أحد الشخصين ،تتظهّر خيوط الكوْلسة الدائرة في كواليس الدول المؤثرة والدول صاحبة القرار ليرسو الأمر على شخصية مارونية لا تشكل انتصارا لفريق على آخر، شخصية ضعيفة لا يتحسّس منها الطرفان، لا كتلة نيابية لها ولا شعبية،لا أرضية لها ولا شوكة، شخصية لا مواقف واضحة لها ،شخصية تتسمى بالحيادية الوسطية، لا لون لها ولا طعم ولا رائحة....
وهكذا في حمأة صراع الأقوياء وانقسام اللبنانيين العمودي الحاد،يصبح الهزال هو السمة الفضلى للفوز في منصب الرئاسة، وكم كنّا نتمنّى نحن اللبنانيون الحالمون لو يأتي رجل مثل زياد بارود في أناقته ونظافته وفكره وديناميته وسلوكه المدني بامتياز، وهو يتمتّع بالشرعية الشعبية الخارقة للطوائف والمذاهب والأحلاف والتبعية،وأرقام الإحصاء الالكتروني لم تزل حتى الساعة تشير إلى تبوّئه المركز الأول في خيار اللبنانيين الصامتين.
هذه المواصفات الهزيلة التي ذكرنا، سيقبل بها المواطن اللبناني مُكرها كما قبل كلّ الآفات السابقة وكما قبل كارهاً كلّ العيب اللبناني الذي يتجلى في وجوه وتاريخ وحاضر معظم الساسة اللبنانيين،فمن لم يكن أمير حرب وقتل واغتيال هو قطعا أمير صفقات وتقلّب ومتاجرة وكذب على الناس. مواصفات الرئيس الآتي سيقبل بها المواطن اللبناني مُكرهاً، ولكن الأنكى أن يقع الخيار على شخصية تتمتع أيضا بخاصية الفساد اللبناني ليسهل التحكّم بها إذا ما خطر لها أنْ تتمرجل في يوم من الأيام...وتأخذ موقفا مبدئيّا.
والحمدلله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه.
حسين الجسر.
–email :hussein@husseinjisr.com
@aljisr
كاتب لبناني.آخر رواية صدرت له عن دار النهار "إغماضة عيون".