يَتَمَيَزُ لبنان بنظامه السياسي الطائفي والذي أصبحَ يُشَكِلُ ثِقلاً كبيراً على تطَوُر الحياة الإجتماعية في لبنان، خاصةً بعد سحب النظام المخابراتي السوري سيطرته المباشرة وتَحَوُلهِ ليلعبَ دوراً غير مباشر في السياسة اللبنانية، فإنكَشَفَ الغطاء عن جميع الثغرات الموجودة في بُنية نظامنا الطائفي، وبالرُغمِ من العُري الذي أصابه بعد تسع سنوات من الحُكم المتقهقر، مازال هناك من يؤمِن بالمحاصصة المذهبية ولذلك لمكاسِبَ شخصية كالأحجام التمثيلية بدءً في الحكومة والمجلس النيابي نزولاً إلى جميع الوظائف وعلى مُختلف الدرجات. هذه الطبقة من المُتسلطين تعرِفُ أنَّ الوصول إلى دولة مدنية هو حل جذري للعديد من مشاكل الفساد المُستشري في المُجتمَع، ولكنها من جهةٍ أُخرى تُشَكِلُ سداً منيعاً أمام محاربة هذا الواقع الفاسد، عبر التقاعُس الدائم في تقديم أي مشروع مدني أو حتى السماح لأي مشروعٍ إنقاذي مُقتَرَح بالمرور كاللامركزية الإدارية التي تُعتَبَرُ باباً نحو التغيير الحقيقي والتوجه نحو بناء دولة مدنية قوية ومتماسكة وعادلة.
أما الطبقة الثانية التي تُحارب لعدم قيام الدولة المدنية أو العلمانية، فهي من يُسَمون أنفُسَهُم بأعداء العلمانية، ويتهمون جميع من ينادي بالعلمانية بالكافر والضال عن الدِين، ألا وأنَّ الضلال الحقيقي هو محاربة الحقائق والوقائع والسَير وراء الشعارات الفضفاضة، حتى أنَّ أغلبهُم في السِرّ يسأل نفسهُ عن حقيقة ما يبوح به في العَلَن!!! أما حقيقة الأمور فتظهر في ما تستطيع العلمانية أو الدولة المدنية تقديمه إلى لبنان اليوم بشكلٍ عام وإلى جميع الطوائف في آنٍ معاً. تنبثق العلمانية من تكوينة المُجتمَع وبُنيته الإجتماعية وتسعى إلى تحقيق عدالة إجتماعية على مساحة الوطن مع الحفاظ على قيام جميع المواطنين بواجباتهم المدنية في آنٍ معاً، تزامناً مع الحفاظ على حُرية جميع المواطنين بالعَيش بكرامة تحت لواء الدستور اللبناني. إنطلاقاً من هذه المبادئ تنطلق العلمانية لتُنَظِمَ المُجتمَع وتحقُن التقاتل المذهبي والصراعات الجاهلة والتي ولَدَتها جميع الهرتقات التي تمَ تشويه الأديان بها، فإذا توجهنا نحو الأديان نجِدُها تتشارك العدالة والمحبة والصدق والقيام بالواجبات التي يفرضها عليك المُجتمع لكي تنال بالمُقابل الحقوق التي مِنَ المُفترض أن يُقَدمها لك هذا المُجتمع. جميع النقاط المذكورة ليست بشعارات سياسية أو إجتماعية للتغني بالعلمانية وخصائصها، بل إنها السبيل الحقيقي للوصول إلى تغيير حقيقي في لبنان كما حصل في جميع الدُوَل المُتقدمة وأبرزها فرنسا التي تُعتبر مثالاً حقيقياً للحرية والعدالة الإجتماعية.