"علينا أن نتعلّم العيشَ معاً كإخوة، وإلّا فسوف نهلَكُ معاً كأغبياء" مقولة للناشط السياسي الإنساني مارتن لوثر كينغ، اختارها الأستاذ أنطوان نجم كمَدخل إلى كتابه الصادر حديثاً عن دار سائر المشرق وعدد صفحاته ١٢١ صفحة وهو بعنوان: "رؤية وخريطة طريق كي لا تَغرَق السفينة بمن فيها.
يتناول الكتاب في صفحاته الأولى عرضاً مُفَصَلاً عن واقع كُل طائفة في لبنان، وهنا أقصد السُنة والشيعة والدروز والمسيحيين، مُستَخدماً الترتيب الذي استعمله الكاتب. بناءً على العَرض الذي قَدَّمَهُ في القِسم الأوَل، بنى الكاتب استنتاجه ثُمَّ أتبَعَهُ بتقديمه رؤية للحَل المُمكن بنظره، وتابَعَ بعدها طارحاً النظام الدستوري المُناسب لتلك الرؤية وخريطة الطريق التي يجب السَير على أساسها لتطبيقها، خاتماً بالنتائج المُمكن أن تتحقق من خلالها.
يستهِلُ الكاتب مُقدِمتهُ شارحاً الواقع اللبناني الطائفي وصراعاته الواقعية والتي لا يُمكن تجاهلها أبداً بالشَكل، أما في المضمون فقد تختلفُ وجهات النظر في رؤيتنا لتلك الصراعات، ففي حين اعتبر الكاتب أنَّ نوعية الشعور الإنتمائي إلى لبنان مرتبطة بالخلاف بين المسلمين والمسيحيِّين، وشيعة الولي الفقيه. فإنَّ هُناك عوامل كثيرة قد ساهَمَت بتحويل الصراعات لتأخُذَ طابعاً دينياً بحتاً بهدف التجييش، فالصراع المسيحي الفلسطيني لم يتخلله وجود فصائل لبنانية مسلمة ومُلتزمة دينياً بتطبيق الشريعة، بل كان مزيجاً من المُتعاطفين مع القضية الفلسطينية من يسارِيِّ تلك الحقبة وغيرهم. أما في الخلاف مع شيعة الولي الفقيه في لبنان اليوم، فإنني أراه خلافاً وطنياً بإمتياز، بعَكسِ ما يُشاع على لسان الكثيرين من السياسيين والإعلاميين، وذلكَ لأنَّ مشروع شيعة الولي الفقيه يتناقض مع السُنةِ والدروز والمسيحيين، كما أنه يتناقض وكثيرين من الشيعة الغير ملتزمين بهذا المشروع الإقليمي ولهم مرجعياتهم الخاصة، والتي تناولها الكاتب في سياق حديثه عن الشيعة في لبنان.
أما فيما يخُص رؤية مُختَلَف الطوائف للواقع اللبناني، فقد شرح الكاتب تطلُعاتهم بشكلٍ واضحٍ وصريح مُستشهداً بشواهد عدة من مؤتمرات ومواثيق وأحداث وشخصيات، تُوضح بأنَّ نسبة كبيرة منهم يؤمن بقيام الدولة القوية والعادلة مع تحَفُّظ البعض على بعضِ النقاط المُتعلقة بمبادئهم الدينية أو القومية، وانطلاقاً من هذه الشريحة ينطلق الكاتب ليبني تطلعاته ورؤيته، فيرى بالحلول المتعارضة حلاً رئيسياً للإستنتاج الذي بناه من خلال دراسته لكل طائفة، وبذلك يكون قد استطاع حفظ حقوق جميع الطوائف عبر الحفاظ على تناقضاتها المبنية على أُسسٍ دينية، وهذا ما أسماه "مصالح الجماعات الوجودية".
من هنا، يكون من البديهي أنَّ النظام الدستوري المُناسب بنظره هو تطبيق الفدرالية، وذلك بهدف حفظ مصالح الجماعات الوجودية كما يقول الأستاذ نجم. أمّا في رؤيتي الشخصية لمبدأ الحلول المُتعارضة، فإنَّ الإنصهار الوطني الذي يحاول الكاتب تأمينه من خلال حفظ مصالح الجماعات، يُمكننا تحقيقه عبر الإنطلاق من ما استطعنا تحقيقه حتى الآن، والعَمَل على هذه الموجودات للوصول إلى نظامٍ حديثٍ ومُتَطَوِرٍ كاللامركزية الإدارية والمالية، مع اعتمادِ مبدأ سحب الهوية الدينية للمُرَشحين في جميع مواقع العمل السياسي والاجتماعي، إضافةً إلى اعتماد النسبية في جميع الطروحات، مما يُعَزِز الإنصهار الوطني الحقيقي، فتنتشِر الأحزاب المدنية القادرة على المحاسبة كما يجب، وهذا ما بَيَنتُهُ في النقطة الثالثة من مقالتي المنشورة في موقع www.monliban.info <http://www.monliban.info/> والتي كانت بعنوان: اللامركزية الإدارية طريق إلى المحاسبة والمدنية. هذه الأحزاب المدنية المُتنوعة تتناقض حتماً مع ما خَلُصَ إلَيه الكاتب في ما يخُص تشكيل أحزاب طوائفية بتكوين فدرالي، والتي شَبَهَها بشجرةٍ من فصيلة النخليات اسمها "خاميرُبس قَزَم" ذات بُنية توضح لنا، بعض الشيئ، بنية هذه الأحزاب التي يدعو إلى إنشائها. فمن جذور واحدة من هذا النَوع تنبُت مباشرةً، وعلى مستوى الأرض، جذوع عديدة. فقد إعتبر كُل جذع وكأنه شجرة مُستقلة قائمة بذاتها، فتُعطي مجموعة الجذوع انطباعاً أنها مجموعة أشجار لا شجرة واحدة.
بالرُغم من الإختلاف في بعض وجهات النظَر مع الكاتب القدير، فإنَّ كتابه "رؤية وخريطة طريق لكي لا تغرق السفينة بمن فيها"، يحمِلُ في طَياته الإنتماء الوطني المُتغَلغِل في داخله، والذي دفعه دائماً إلى تقديم طروحات وطنية من خلال كتاباته القَيمة ومتابعَتَه الدائمة للسياسة اللبنانية منذ العام ١٩٥٢ حتى يومنا هذا، متمنياً له العمر الطويل والعطاء الدائم. زكريا حمودان