يضع دافيد غاردنر في الفاينانشل تايمز بتاريخ 16 أيار الحالي هذا التوصيف أعلاه والذي لطالما كتبته في مقالات سابقة عديدة إلى درجة أن بعض القرّاء أبدوا الملاومة تجاه هذا التكرار والاصرار في هذا التوصيف الحرفي لما يذكره اليوم هذا الصحافي الأجنبي بحقنا.
لبنان مُمْتطى بأمراء حربٍ يلبسون بذلاتٍ وكرافاتات ويسوقون الناس كقطيع غنم لا كمواطنين ويرتهنون إلى قوى خارجية تتوسّل مصالحها في لبنان.
هذه هي حقيقتنا وواقعنا وما كلام الرجل الا توكيد على صورتنا في العالم المتقدم، فنحن لسنا أبدا الشعب المتحضّر الراقي، بل مجموعة أغنام لبنانية ،دأبت على التشاوف في الماضي على نظيراتها من الأغنام العربية السارحة من المحيط الى الخليج،مجموعة أسكرتها الشوفانية اللبنانية التي قامت سابقا على بعض انفتاح سطحي كفتح البارات والنايتات مع اللدغ الصبياني للفرنسية...وهذا لا ينفي النجاح الفردي للبنانين والذي تجسّد إبداعا وريادة عربية وعالمية،حسبنا لو نقيم لهم تماثيل في ساحات الوطن نتباهى بها بحق أمام الدول المتحضّرة، بدل أن نرفع يافطات الذلّ لأمراء وأزلام هم أساس خراب الوطن وذلّه.
مجموعة هوائية تبغددت سنين حتى وجدت نفسها خرائب وطن وآلاف الأبناء الشرفاء الأبطال المشتّتين المبعثرين في أنحاء الأرض بحثا عن اللقمة الشريفة الحرّة من خطل المتسيّدين زورا على مرافق الوطن المنهوب الذبيح،بينما ارتفعت المباني والفنادق في أرجاء الوطن العربي،وهي الأخرى مجرد مباني لشعوب كليلة ذليلة،تقاربها نار الحياة اليوم في محاولات صعبة ولكنها العلامة الوحيدة في تاريخها وحاضرها ومستقبلها،العلامة الوحيدة المشرّفة والصادقة،علامة البدء بالأنسنة التي ستضعنا ولو بعد مخاضات طويلة على أبواب الشعوب الحية،لنُبعثَ من جديد أمّة فاعلة بين الأمم،أمّة تملك التاريخ والثروات والجغرافيا والشعب الواحد...
لكنّ المخاض طويلٌ وصعبٌ شأنه شأن الثورات التي قامت في الغرب والتي دامت مئة سنة حتى تنتصر...بشعب تليق به الحياة.
مخاضٌ صعبٌ وطويلٌ وها هي بعض الأصوات تتعالى منادية بالحكمِ العسكري مجددا وهذا ما يؤكّد أنّ العبد لم يمتْ في صدور الكثيرين منّا،أولئك الذين يريدون الحياة طبق فولٍ ولحمة ولو ذليلا ويريدونها آمنة ولو تحت جزمة الديكتاتور...
وليكن، أما أنا فأرى في الحياة وقفتين هما الأبهى والأحلى وهما دون سواهما الحقيقتان اللتان تؤكدان انسانيتي لا غنميتي...
وقفتان : لحظة العشق ولحظة الإباء ....هما حرية الانسان وهما التعبير الوحيد عن أنه المخلوق الأسمى وأنه من روح الله...
سوى ذلك نحن القطيع أو القطعان إياها والتي يقودها أمراء الحرب وقوّادوها في هذا المبغى الصغير...
يتجلّى هذا الذل كل يوم في حياتنا،يتجلى في أبشع معانيه مرارةً وسخرية.
يتجلّى في كذبِ المجلس النيابي بأكمله على نصف الشعب اللبناني الذي يطالب بالحقوق الدنيا لحقه ورغيفه،وهم أي النواب يتلكأون كالراقصات الرخيصات ويكذبون على الناس،والأحلى سخرية مطالبة الرئيس بري الوقحة من حنا غريب الاعتذار لأنه اتهم النواب بالسرقة...
يتجلّى بالمواكب السوقيّة للوزراء والنواب ولفيفهم من أصحاب الوظائف العالية،مواكب تفوح منها رائحة الرذيلة والسرقة وشيء من الشبّيحيّة التي اكتسبناها في الزمن السوري البشع...
يتجلّى في تقلّب المواقف والمبادىء لأغلب الفرقاء السياسيين وفق ميزان القوى واختلاف المصالح وأحدثها شراكة الأعداء السياسيين في وليمة النفط والغاز القادمة والتي تتحدث عنها الجرائد تلميحا...فلا ابراء مستحيل ولا سيادة وحرية،بل عمولة وكومسيونات ونفط ولفط وغاز،والله يرحم يللي ماتوا...من أكبر شهيد لآخر صبي في التبانة...
يتجلى أخيرا وليس آخرا بأننا شعوب تصطنع التحضّر ونثبت عند أول استحقاق همجيتنا وتعصّبنا فننتصر لمذهبنا وقبيلتنا،وأنّ العبد فينا عائشٌ،فها نحن بعد سبعين سنة نعود قطعان غنم أذلاء يقودونا الفاجر والتاجر،أمير حرب ومقاول يأكل رزقنا ويذلنا ويسوقنا ...ونحن نسير خلفه طائعين عن خوف وطمع وتعصب وجهالة...وأبشع صورنا ليس الطبقات الفقيرة المنكوبة وهي ألأكثرية فينا بل تلك الطبقة المتعلّمة من حملة الشهادات والتي تتزلف للزعيم وهي الأخرى تلبس الطقم والكرافات وتقف ذليلة بباب الزعيم والثري...تمسح الاعتاب .
كلامي هذا والتوصيف، سأعيده وسأكرّره، فالإباء طريقُ الصعود والذلة طريق منحدرة ،فليبدأ كل ببيته، ومن يهنْ يسهلُ الهوانُ عليه.
حسين الجسر.
–email :hussein@husseinjisr.com
@aljisr
كاتب لبناني.آخر رواية صدرت له عن دار النهار "إغماضة عيون".
التالي
احتفالٌ بوقف إطلاق النار بصوت الرصاص والقذائف... ضجيجٌ لم ينتهِ!