كسرَ الابنُ الربوبية وقرّر أنْ يكبرَ على طريقته و أنْ يمارس حرية حُجبتْ عنه لألف عام. أصبحَ بمقدوره أنْ يدخلَ الجنّة برجليه من غير فرمان إلهي يُسطّره مُهرّجٌ من هنا و مُهرّجٌ من هناك. بلْ أصبحَ بمقدوره أنْ يرفضَ الجنّة بكلّ مفهومها إذا أرادَ كيْ يمضي في حياته الأرضية ليحياها بكلّ تضاريسها، بأفراحها و أتراحها وأن يكون له، وله وحده أن يجد جنّته على طريقته بما تصنع يداه. المسارُ الثوريّ القائم في بلادنا هو تطوّرٌ طبيعيٌّ جاء ليغيّر معالم الحاضر العائش في الماضي وهو ليسَ حدثا دبّرته أجهزة الغرب كما يجري على ألسنة المحنّطين و أصحاب الرؤى المتألّهة وسائر الزبانية الحاكمة و الآيلة جميعها الى اندثار، واحدة تلوَ الأخرى ،لا تمييز بين أحد منها، فمنهم من قضى ومنهم من سيقضي آجلا أم عاجلا، أما الألى يظنون أنّهم بمنجى من هذا الطوفان فهم في متاهاتهم غارقون. هذا التطوّر الطبيعي هو من سنن الحياة ، ومن سننها أيضا ،وجود منظّرين و تافهين ومكابرين و مخادعين ووصوليين يحاولون ركوب الموجة أو إعاقتها. تطوّرٌ بموجبه أصبح الأبناء قادرين أن يكبروا بحرية تماما مثل الأشجار،من غير قمع ولا فرض.هؤلاء الأبناء سيمرّون بعمر الصبوة والمراهقة و سيتعرّضون للمشاكل والكبوات، فهل لأجل ذلك نقول لهم :أيّها الأبناء لا تكبروا؟بدل أن نواكبهم بالعقل وبالحوار ؟ بغير تلك القناعة ستقعد السلطة الأبوية في المستنقع تكابر في مواتها. هذه شعوبٌ تريد أن تصنعَ مصيرها بيدها لا بيد آلهتها الألى انتهى زمانهم، وسيظلّ هذا المخاض مستمرا الى يوم الدين ،صراعا في سبيل مزيد من العدل و مزيد من الانسانية ،ولن يكون المخاض حصرا علينا نحن شعوب البداءة بل سيعمّ العالم، فليس بيننا وبين المحتجين في "وال ستريت" سوى مسافة زمنية علينا استدراكها ولو بعد حين.أمّا في لبنان الذي أدرك "الديكولتيه" قبل الشوكة والسكين، فأنا من المؤمنين أنّ اللبنانيين سيرحّلون "الدونكورليونات" الخمسة المتبقّين إلى ملفات الأرشيف عما قريب حتى ننتهي من هذه المافيا المستمرة من تسعين سنة.