هذه الثورات لا تشبه إلا ذاتها.هي حقيقة تتبلور يوما بعد يوم من غير توقف لتشملَ كلّ قطر عربي في مخاض طويل الأمد شديد الحركة .مخاضٌ مليئٌ بخيبات و نكسات كثيرة، ترخصُ كلّها أمام الانبعاث العظيم الذي تحققه الشعوب عبر انتصارها لكرامتها لأوّل مرة في تاريخها. فنحنُ الشعوبُ العربية ومنذ أنْ سَيّسَنا معاوية في خديعته الكبرى، ارتضينا العيش في طاعة ملوك احتكروا الدين باسم الخلافة، وبقينا على هذا النمط لأكثر من ألف عام قبل أن يأتينا العسكرُ براياتهم الوطنية ليمارسوا بإسمها طغيانهم وصلفهم وبهتانهم مع استثناء بعض الممالك والتي توسّم أصحابها الدينَ وسيلة تحت يافطات النسب الشريف حينا وتحتَ سواها حينا آخرا فأساؤوا إلى شعوبهم عبر استملاكها بشرا وحجرا و إلى طهرانية النسب الشريف وإلى الدين الاسلامي عموما. خلال هذا التاريخ المهيمن أبقينا المرأة بإسم الدين في العتمة لألف عام وأكثر. وكما بدأت المرأةُ بالخروج من عتمتها إلى الضوء و دخلت في صيرورة التحوّل الكبرى لتصنع حياتها بمشيئتها، خرجت الشبيبة العربية من كهوفها إلى عالم الشمس حيث الحقائق لا تحدّها أسوارٌ ولا تحجبها عتمةٌ و كلاهما في مسار مستمرّ لأنّ التاريخ لا يرجعُ إلى الوراء. ومثلما يخشى المتشبّثون بشرقيّتهم الذكورية منْ تحرّر المرأة،ترتعد فرائصُ الطغاة من حراك شعوبهم ،غير أنّهم سيسقطون لا محالة بينما هو مكتوبٌ على الذكوريين أن يقبلوا بالحقائق حينما يتصالحون مع ذواتهم ويتخلّصون من السكيزوفرنيا العائشة فيهم. أما ألذين مازالوا ينظّرون في مؤامرات أميركية تصنعُ الثورات فنقول لهم أنّ حكّامنا الخاضعين للغرب في سبيل التشبّث في مراكزهم هم الذين جعلونا مضغة سهلة بأفواه الطامعين في ثرواتنا و أنّ الأمل الوحيد في كسر هذا الواقع المذلّ هو في أن تكون الشعوب حرّة، فوحدهم الأحرار هم القادرون على تقرير مصيرهم ووحدهم هم الذين يدافعون عن أرضهم و خيراتها في سبيل خير الناس أجمعين ليرفعوا بلدانهم من ركام الهوان والاسترهان،فالبلاد تكبر بشعوبها الحرّة لا بطواغيتها،والشعوب تكون حرّة برجالها و نسائهاعلى قدم و ساق لا برجال يستنقعون في عصر الحريم و فقه السلاطين ،فلا قيمة لحرية إنسان لا يقرّ بحرّية الآخرين. إنّه ليس ربيعا فحسب بلْ هو الفجرُ العربيُ يُؤذنُ بزوال العبودية وبمطر يَكنسُ معه الخرافات والشعارات ليَحلّ محلّها الإنسانُ في كلّ تجلّياته،لإنّ الله لا يُغيّرُ ما بقوْم حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم.