يهربُ السارقُ من تاريخه ،يلاحقه التاريخُ أينما ذهب وكيفما اختبأ.. حتّى في عزّ انشراحه،حتى وهو في أكثر الأماكن أمنا، حتى وهو في كامل الحصانة المالية أو الاجتماعية أو السياسية... ألماضي يلاحقهُ...ومهْما حاولَ أن يبنيَ الكنائسَ و المساجدَ الكبيرة ودورَ الرعاية ومهما رشا الجمعيات الخيرية،فإنّ أوّل سرقة له تقبع في ضميره تذكرّه بتاريخه الوضيع وتزعجه. منْ فجر التاريخ ومن بدء الخليقة ،ذهبَ قايينُ في المتاهات هاربا من ظله ،بعد أن قتل أخاه هابيل،وظلّ يهربُ من عين ربّه ليواري سوءَتهُ، وهلْ منْ مهرب من عين الله؟ هذا الإلهُ الأقربُ إلينا من حبل الوريد في أعناقنا،العالمُ بخائنة الأعين فينا وما تخفيه الصدور منّا،كيف لنا أن نهرب من عينه؟ إنّ الدماء البريئة التي سُفكت في لبنان"مثلا" ما زالت تلاحق قاتليها في قصورهم المدجّجة ، تطلعُ أمامهم حتى في خطب الندامة إذا يتلون...و في الدموع إذا يذرفون..والأهمّ الأهمّ في تنديداتهم بسافكي الدماء اليوم، كما كانوا ذات يوم، دماء إخوتهم يسفكون...وهذه لعمري قمّة الدعارة الإنسانية... لا سماح للقتلة ،لا بكراسي الإعتراف ولا بمفاتيح الجنة،وبالإذن من أول بابا في التاريخ إلى آخر إمام للزمان، فالدماء البريئة فيها عرقٌ بدويّ،تلاحق سافكيها ولو بعد حين.. وللقاتل قدرٌ بين قدرين: فإمّا يموت ليلقى ربّه مُدانا في جهنّمَ وقودها هو والحجارة و إمّا يعيشُ في هروب عبثيّ من دم ضحاياه. الكونُ الذي نعيش فيه ليس صدفة كما يدّعي بعض العلماء الذين يجعلون منه مهزلة. الكونُ قائمٌ بإرادة وحساب. وللذين يستفظعون ما تتوعّدُ الأديانُ القتلة َ به من فظاعات التعذيب فليتطلّعوا إلى الظلّام من الحكّام كيف دماء أهلهم يسفكون. من هذه القناعة أقول أنّ من عدالة السماء ما فرضته على الأرض لنتحقق منه بأعيننا بل لنحقّقه بأيدينا. هُمُ الطغاةُ الوحوشُ يملكونُ الضمير وهم يقضون أعمارهم هاربين من ضميرهم الأسود ...تُرى في أيّ متاهة من الرمضاء سيمضون... ألبعثُ و العقابُ و الثوابُ معتقدات لولاها لكنّا كما سائر البهيميّات و الحشرات نتكاثر لنمضي في بلاليع الخصوبة.هذه المعتقدات مرتبطة بوجود الخالق.والإيمان بالله سرٌّ أزليٌّ سرمديٌ غامضٌ، وجلّ ما أقوله في هذا الإيمان بيتا من الشعر: لوْ لمْ تكنْ فينا لمتنا من اليأس مثل الحجرْ. عبثا يحاولُ القاتلُ أن يهربَ من ظلّه. حسين الجسر