أن تتفاهم أحزاب أو فاعليات على عناوين سياسية، أمر مفهوم. أما أن تُسخّر مصالح الناس والبلدات والبلديات ويُضحّى بها أحياناً وبالكفاءات في خدمة إنجاح تحالف سياسي ما، فهنا الخطيئة الكبرى.
من حسنات الانتخابات البلدية الأخيرة أنها أوجدت ظرفا مثاليا لاختبار الأولويات الفعلية عند الأحزاب والتيارات السياسية التي ترفع جميعها عناوين الانحياز لمصلحة المواطنين ليتبيّن عند المحك أنها لن تتردد في استخدامهم وخطف أصواتهم لإنجاح تحالف سياسي يُفترض أن لا تكون البلدات والبلديات ساحة لفرضه أو الابتزاز باسمه أو الاستعراض عبره.
ومن حسنات الانتخابات البلدية الأخيرة أنها أيقظت قسما من الرأي العام الذي كان استسلم لمشيئة الزعيم "الذي لا يُقهٓر".
ومن حسنات هذه الانتخابات ايضاً أن شرائح مقهورة ومهمشة استعادت ثقتها بنفسها بعدما اختبرت قدرتها على قول "لا" مدوّية.
ومهما كابرت بعض القوى السياسية والأحزاب وكذلك الاقطاعيات لتقنع الناس أنها حققت فوزا في الانتخابات البلدية، فإنها ضمنيا تدرك أن مرحلة تراجعها بدأت وبقوة، وأن الانتفاضة الكبرى ضد التحالفات المفروضة من فوق وضد تقديم المصالح الحزبية أو الاقطاعية على مصالح الناس جرفت في مناطق عدة وآخرها طرابلس الاحزاب والتيارات والزعامات السياسية بملايينها وملياراتها لأن الكيل عندما يطفح يطوف نهراً.
لكن رغم الحسنات التي أرساها الاستحقاق الانتخابي الأخير، فإن الكثير من الظواهر السلبية وغير الصحية ما زالت تحكم شرائح واسعة في مجتمعنا، وأبرز هذه الظواهر السلبية، هيبة المال.
فسطوة المتمولين على رأس البلديات أصبحت ظاهرة مخيفة، ويكفي استعراض الأسماء للتثبت من هذا الأمر.
كفاءات تتراجع ورؤوس أموال تتقدم على الرؤوس... وخطورة هذه الظاهرة أنها بدأت ترسي نوعا من الإقطاع الجديد.
مهما يكن فإن انتخابات اليوم مليئة بالدروس والعبر، لكن المهم يبقى في أن تجد مٓن يتواضع ويعتبر...