"تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ . اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي ، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ ، فَتَجدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ . لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ " .
- (متّى 11 :28-30)
لا نذكرُ سوريا إلاّ ونخشعُ أمامَ هذا الشعبِ الجبّار،يرسمُ الملاحمَ في جبهة التاريخ،ملاحمَ غدتْ أمامها قرائح الشعراء وتضخيماتهم صغيرة كفيفة شحيحة،فالأبطالُ يكتبون بصدورهم وأرواحهم كلّ ساعة ملحمة تعانقُ أختها تجعل اللغة نفسها في حراك شوق لتبدّل بندا من دستورها فتغدو كلمة سوري هي الأوفى تعبيرا لكلمة بطل.
أطفالُ سوريا المشرّدون، كثيرونَ منهم في لبنان.أقمارٌ يحملونَ القهرَ في عيونهم البريئة ويحملون الحزن والخوف والجوع والدموع،فأيّ مسوخ بشرية هي قادرة على أن تُشيح النظر عنهم أو أن تضعهم في سوق المزاودة أو السياسة أو التعصّب؟
أما تنظرونَ في عيونِ أولئكَ الملائكةِ الصِغارِ الجميلينَ الحائرينَ المرعوبينَ فيمسّ أرواحَكم ضِرامُ الحبِّ والعطفِ والمرحمة؟
ونساءُ سوريا الثكالى والأيامى المفجوعات الخائفات والبنات اليُتّمِ فهل في رؤوس رؤسائنا من نخوة المعتصم؟فلا نتركُ أحدا أسيرَ البرد والجوع والمهانة،ليسكنَ في مرائب السيارات وتحت الجسور.
عشية الميلاد المجيد، حِمْلُ المسيحيّ منّا أكبر من حِمْلِ الآخرين، فالسيّد المسيح هو الذي قال "دعوا الأطفال يأتون إليّ" .ولكلّ رسول ودين بَصمته، وبصمة الناصريّ أنّه وُلد طفلا من روح الله فاهتزّت له الكواكب وتكلّم في المهد صبيّا :"وجعلني مباركا أينما كنتُ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيّا" .فهل المسيح عائشٌ فينا؟
طفلُ المغارةِ الفقيرُ الزاهدُ أضاءَ الكونَ حبّا وأحيا المسرّة في الناس في مسيرة خلّابة السحر حفرتْ في وجدان الإنسانية جراحات التضحية والعطاء والتسامح،مسيرة توسّطتِ الرسالاتِ الثلاث القائمة كلّها على ذلك النهر العظيم من الرحمة ولا عجب أن كُنّي الإله جلّ جلاله بالرحمن الرحيم.
أنا من أتباع القرآن الذي يأمرني أن أومن بالله وجميع رسله وأنا من أتباع العقل الذي يقول لي أنّ الدين كلّه من واحد أحد وأنّ الرحمة هي أسمى مراتب الإنسانية التي نتصعّد بها نحو الله ونقترب من الكمال.
فعشيّة الميلاد أباركُ للناس في العيد وأدعو كلّ لبناني إنسان أنْ يدلوَ بدلوه في سبيل نجدة و رعاية هؤلاء المشرّدين وأن يضعَ بصمته الانسانية في سجلّ المكرمات ،يضعها بما قدرت يداه،ويضعها في حبّ مضاعف ليس من باب الانسانية فحسب وهي حقٌّ علينا بل من باب الأخوة والنسب والجوار...وأضيف: من باب ردّ الجميل لمن استضاف أهلنا الجنوبيين الشيعة في عدوان تموز..
كنتُ أتمنى وهل أملك سوى التمني ؟ كنت أتمنّى أن تجتمع ثلّةٌ من الأغنياء الكبار وقد أفاض الله عليهم من واسع أبوابه ،كنت أتمنى أن يجتمعوا خارج منطق المناطق التي تفصلهم وخارج منطق الانتخابات،ليقيموا صندوقا ضخما من أجل السوريين النازحين المجروحين المكلومين المقهورين وأطفالهم الجائعين البردانين الخائفين..
أغنياء من كل لبنان من كل المذاهب من غير تسييس أو توجّس أو حسابات الفئران...
أغنياء يُقدِمونَ اليومَ قبل أن تُحتسبَ الذلّةُ والصغارةُ عليهم في انكفائهم عن ذلك الواجب الأخوي العربي الانساني المقدّس.
غير أنّ ذلك لم يحدث حتى الآن، فما أبهانا نحن اللبنانيين المتفاخرين حضارة وانسانية ،ما أحلانا ونحن نقوّصُ على بعضنا ونتفكّهُ في التفلسفِ السَمجِ حولَ حليبِ الأطفال والحرامات،ما أسخفنا بل ما أتفهنا ونحن نتعاطى مع أضخم مأساة إنسانية في تاريخنا العربي الحديث، نتعاطى بخفّة وبعنصرية حينا وحقد أحيانا ونصطفّ كالبهائم خلف فريقنا لننحر أخواننا السوريين مرة أخرى بل مرّات...وعلى كلّ الشاشات مستبيحين نضالاتهم ومآسيهم في مزادات الأمم،مقترعين على ثيابهم في أرخص وأذلّ ظاهرة انسانية.
أيُّ شيء له قيمة ومعنى أمام هذه العذابات البشريّة وهذا البؤس الانساني؟أيُّ اصطفاف حقير يتقدّم على إحساسنا البشري وقيمنا الانسانية ونخوتنا العربية وكرامتنا في ردّ الجميل؟
عشيّة الميلاد على الكنائس قبل المساجد في لبنان أن تفتح قلوبها وأبوابها للأطفال الباكين،وهي إن لم تكن للمعذّبين في الأرض فإنّها مجرّد أحجار وبلاقع وثن.
وعلى أصحاب المقامات من البطاركة والمطارنة والمفاتي والشيوخ أن يكونوا جنودا في محراب الانسانية وعونا لأخوتنا واحتضانا ورحمة و إلا فلن تليق بهم لا غبطة ولا سماحة؟
وعلى الأغنياء الكبار من سياسيّين وغير سياسيين أن يجتمعوا ولو لمرّة واحدة بعيدا عن الصناديق الانتخابية والحسابات السياسية والاصطفافات الرعناء والأخلاق اليهوذيّة، كي يُنجِدوا ويعاضدوا أخوتهم وأخواتهم وأبناءهم وبناتهم من سوريا الحبيبة من سوريا النسب..فهل هم فاعلون؟
عشيّة الميلاد أدعوكم جميعكم لتروا الدنيا بقلوبكم وأعلموا أنّ لا دين يستوي ولا عبادة تصحُّ ولا ميلاد يمجدُ إذا لم تتحرّك نخوتنا أمام هذه العذابات الانسانية.
سأخبركم أيها اللبنانيون ...الميلادُ لن يكونَ مجيدا هذه السنة مادام المسيحُ ابنُ مريم طفلا خائفا وجائعا وبردانا في العراء.
حسين الجسر