يقال أن أهل السويد اليوم هم الأكثر تحضّرا بين شعوب الأرض. أهل السويد لم يولدوا من بطون أمّهاتهم حاملين جينات التحضّر، بل كانوا كسواهم من شعوب الغرب غارقين في الظلمات و التوحّش و استطاعوا بعد عصور طويلة أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه من رقيّ و تحضّر ، ولعلّهم يرون أنّ وجود حكّام يذبحون شعوبهم في عين الشمس ويديرون مخازن للتعذيب و السحل و القتل لمواطنين عزّل ، هو من قصص ألف ليلة و ليلة... والجنّي و الجميلات السبايا و شهريار. لعلّ أبسط جواب على ما يدور اليوم حول كيفية تعامل الثوّار الليبييّن مع معمّر القذافي ،هو ما قاله معلّم المدرسة الليبي فيروز المغري الرجل الخمسيني و هو يتطلّع إلى جثة القذافي و يستذكر سجن "أبوسليم" الشهير ...هناك قُتل أخوه و ابن عمّه ،وهناك قُتل 1200 من المساجين الضحايا. يقول الرجل: من الصعب على الغريب عن ليبيا أن يفهم ، و لكن القذافي هو المسؤول عن آلاف الأرواح المزهوقة ، آلاف العائلات لم تجد أولادها و لا تعرف مصيرهم بعد أن فُقدوا...نحن كنّا نخاف منه ، أنا كنت خائفا. طبعا هذا ليس تبريرا لما فعله الثوار و لكن ...هَوْنًا عليهم يا أهل التنظير قبل أن تطلقوا عنعناتكم من غرفكم المرفّهة ، وعلى قول المثل العامي و الفطري :"يللي إيدو بالنار غير يللي إيدو بالمي" أو "يللي عم ياكل العصي غير يللي عمّا يعدّها" فالرجل المقتول قتل وطنا بحاله ، حكم شعبه غصبا بالنار و الحديد على مدى نصف قرن ثمّ قرر إبادته بكلّ وقاحة كما تُباد الجرذان.. فعل الرجل جرائمه على رؤوس الأشهاد ، و زنا بشعبه لا أمام شهود أربعة ، بل أمام أهل الأرض قاطبة... وللذين هزّتهم مشاعرهم الرقيقة أمام رؤيته مهانا ، فليعصروا حامضة و يشربوها، فالرجل أهان شعبه لعقود و أهان العرب والعروبة و المسلمين ، بل أهان الإنسانية كلّها....و ليعلموا أن حقيقة العالم بشعة في كثير من الأحيان... خلاصة الكلام أقول : أنا لست أبرر و لكن القوانين الغربية الحديثة نفسها تأخذ بعين الاعتبار ظروف المجرم أكان قاتلا أم سارقا ، فهلّا أخذنا بظروف شعب عاش تحت الجزمة مهانا خائفا ومذبوحا لعقود طويلة ، ثمّ عاش ليرى أحبابه يقتلون الواحد بعد الآخر و يسقطون كالذباب.... هَوْنًا هَوْنًا لئلا يتحول المجرم إلى ضحية فنزيد على تاريخنا العربي المأزوم بطلا آخرا هو في الحقيقة مسخ بالإجرام. حسين الجسر