LBCI
LBCI

السرقةُ والكذبُ والدولةُ التافهة

رأي حر
2013-03-18 | 10:35
مشاهدات عالية
شارك
LBCI
شارك
LBCI
Whatsapp
facebook
Twitter
Messenger
telegram
telegram
print
السرقةُ والكذبُ والدولةُ التافهة
Whatsapp
facebook
Twitter
Messenger
telegram
telegram
print
6min
السرقةُ والكذبُ والدولةُ التافهة
في لندن استقالَ وزيرُ الطاقة كريس هيون من مقعده الوزاري ثمّ النيابي وحُكِمَ عليه بالسجن مدة ثمانية أشهر لأنّه ببساطة كذّب منذ مدة خلال تولّيه الوزارة حين ادّعى أنه لم يكن هو من يقود السيارة بل زوجته، حينما حُكِم عليهما بمخالفة السرعة.

لو طُبّق هذا النظام الأخلاقي عندنا لوجدنا الكثير الكثير من نوابنا في السجن ،ولكنّ معظمهم من أنصار مقولة أنّ الكذب ملح الرجال.

أما ناتانياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي فهو يعاني اليوم من فضيحة صرف 2500 دولارا من حساب المواطنين كي يأكل البوظة التي يعشقها،فتصوّروا لو أننا فعلنا نفس الشيء في البوظة وغيرها فهل سيشعر  الكثيرُ من نوّابنا بالحرج؟ أقلّه لما بلعوه من مخصّصات الزفت السنوي،فحتى هذا لم يتعففوا عنه ولا عن ما هو أقلّ منه،وخير مثال، قصة النائب الذي استشفى ذات يوم على حساب مجلس النواب ثم راح يطالب شركة التأمين الخاصة به كي تدفع له تكاليف المستشفى ليضعها في جيبه.

السرقة عندنا أو التنفّعات هي حقا من تراثنا النيابي،ولا زلتُ أذكر نسيبي الظريف حين طلب من والدي السعي لدى الرئيس شمعون لاستحصال رخصة مصنع صعبة لبيت الغندور وقال :"الجماعة بيدفعولي مليون ليرة"

فردّ أبي بأفّ طويلة :"القصة فيها قبض؟ لا لا"، فأجابهُ النسيبُ بكلّ بساطة وعفوية :وليش الواحد بيعمل نايب يا سيدنا؟؟

هذا هو العنوان الأساسي للنيابة في لبنان، وهذه القصة يعود تاريخها الى عام ال1957 أي منذ 56 سنة،وهي النموذج الطاغي لمعظم من دخل المجلس النيابي حتى اليوم ومازالت الأسماء الشريفة معدودة وما زال الآخرون يسمّونهم أدبا "مساكين" وبغير أدب "حمير" ما بيعرفو ياكلو.

وفي ذلك الزمن وضعت جريدة النهار كاريكاتورها الشهير بعد خروج الرئيس شمعون من الرئاسة فصوّره بيار صادق داخلا إلى الرئاسة "إيد من ورا وإيد من قدّام" وخارجا وخلفه قصر السعديات وطوابير من السيّارات والعقارات والشركات.

وما أشبه اليوم بالبارحة،فها هي الأرقام تفضح النوّاب بالأسماء ممّن يملكون الشطّوط البحرية أو يشاركون في اغتصابها من الشمال وصولا إلى الجنوب مرورا بالوسط الشهير والزيتونة باي الفضّاحة.

كلّ هذا الكلام لم يؤثّر عليهم  وسيظلون بعتبرونه كالغبار على أحذيتهم طالما أن المجتمع المدني أخرسٌ وباهتٌ ومشلول، وها هم بعض نواب الشمال يهمّون بنهش ما تبقى من بحر المدينة تحت ستار التنمية وبمشاركة بعض الأسماء التجارية،ليقيموا مشاريعهم في رأس الصخر في الميناء، ذلك الشاطىء البكر الوسيع، ويأخذوا في طريقهم آلاف الأمتار مجانا من الدولة أي من مال الناس وترابهم،ليبنوا عليها طوابق فخمة للبيع.

فريقٌ آخر من النواب ركّز على رزقة أخرى وهي المباني التراثية فعمد إلى الغائها لتقوم مكانها أبنية تجارية مربحة، وها هي الشاشات تضجّ بأخبار الوزير المختص ليدافع هذا الأخير عن نفسه عبر اتهام من سبقوه،ومن سبقوه لم يقصّروا بدورهم،لينتهي الأمر بحفلة شتائم قبل أن ينام الموضوع والملفّات،لتندثر الأمكنة التراثية واحدة تلو الأخرى وتقوم ناطحات الباطون في وطن يُسترخَصُ تاريخهُ.أما الكسّارات والتي قضت على نصف خضار لبنان فهي وعلى مرّ السنوات تعود إمّا لنائب أو مدعومة من نائب وما الفتّوش إلا العنوان الأكبر لسرقات وقحة غالبا ما أتت متلازمة مع النمرة الزرقاء.

كلّ هذا غيضٌ من فيض فقصصُ السرقات ونوّابنا هي كقصص الحيّات لا تنتهي ومَنْ مِنَ اللبنانيين لا يعرف حكاية الكروتال مثلا أو مستر 20% أوفضيحة طائرات البوما أو "زونيغ" الرملة البيضاءوطريق المطار أو قطع الأراضي التي اقتُطِعتْ للنافذين بعد قيام المعرض الدولي في طرابلس والتي سُمِّيتْ حينها بقطع البقلاوة كونها الأحلى والأغلى،بينما بقي المعرض ساحة للأبقار وبعض المواسم الانتخابية،ولم تزل مساحة مليون متر مربّع والتي يبلغ ثمنها اليوم 4 مليار دولار في مدينة يَجوعُ فقراؤها وتئنّ طبقتها المتوسّطة،لم تزل هذه الثروة موقوفة للّاشيء، يضعون لها مجلسا وأعضاء ورئيسا "زينات مملكات"وترضيات ولزوم ما لا يلزم..بينما يسعى كلّ رؤساء الوزارة لدحش المشاريع في قفا بيروت المكتظّة حتى التخمة والانفجار،ولم يستطع واحدٌ منهم ومنذ الطائف حتى اليوم أن ينفّذ فكرة بنّاءة في هذه المساحة بل أكاد أقول لا يريد أحدٌ منهم القيام بذلك وقد كانت حجّتهم قبل الطائف أنّهم مستضعفون وهي حجّة ركيكة ،أما بعد الطائف فلستُ أدري ما حجّتهم وقد غدا رئيس الوزراء الآمر الناهي .

أنا لستُ أقول هذا الكلام تشهيرا بمن سلفوا من رؤساء ومسؤولين لكنني أوّلا طالما كرهتُ تزوير التاريخ عبر تنزيه الكثيرين ممّن سرقوا ولا تزال آثار ثرواتهم ظاهرة عند ورثتهم وما يعيشون به من دعة وبحبوحة،وثانيا حرمة لأشخاص كبار تولّوا المسؤولية ذات يوم وقعدوا على ثغور الدولة لكنّهم ماتوا أعفّاء فقراء،وإذا كان التباهي بالشرف تهمة فنعمى بها تهمة،وثالثا لأني أحترم عقلي وعقول الأجيال فلن أترك للآخرين فرصة الضحك علينا عبر صبغ القداسات والنزاهات على من سرقوا من مال الناس حتى شبعوا وأشبعوا أبناءهم ليواصل هؤلاء مسيرة السياسة والنهب كميزة وراثية ،ولا أستثني منهم بعض كبار رجال الدين من طوائف مختلفة.

طبعا كلامنا عن النوّاب لا يُعفي سائر القيادات ،فكلّ واحد مرابطٌ أمام ميدانه يجاهدا استحلابا،لكنّنا أخذنا من يُفترض فيهم أن يشرّعوا القوانين لحفظ الحقوق وضبط المال العام.

وها نحن في الألفية الثالثة نتطلّع إلى نموذج فريد من وزرائنا المفترض أن يكونوا روّادا في حقولهم وعنوانا للقيادة المتعلّمة المثقّفة والحديثة ،فنرى من هم في مستوى البكالوريا  أكثر قليلا أو أقلّ قليلا ولا نعرف فعلا ماذا يفعلون في مجلس الوزراء غير قبض رواتبهم والتصويت المبرمج وفق إرادة معلّميهم الذين أتوا بهم.

قد يقول القارىء أنّ حال السرقة غدت من طبيعة الأشياء وأنّ الحديث عنها نوع من الإنشاء العبثي، لكنّ ذلك باطلٌ وما هو إلا دلالة على نقصاننا وأننا دولة تافهة من العالم الثالث .

 أنا مؤمن أنّ أمّ البدايات هي في محاسبة المسؤول عن أصغر سرقة ولو كانت بوظة وعن أقل كذبة وان كانت لمخالفة السرعة،ولا أرى سوى ذلك مدخلا لدولة متحضّرة ومواطن محترم.

هكذا أؤمن بل أنا من الطرز الكلاسيكي الذي يحبّ أن يستشهد دائما بذلك البيت الشعري القديم :وإنّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ ....فإنْ همُ ذهبتْ أخلاقُهمْ ذهبوا.

حسين الجسر


 
 
*** إن الآراء الواردة في النص تعبّر عن وجهة نظر كاتبها وبالتالي فإن موقع الـ LBCI  لا يتحمّل تبعات ما قد يترتب عنها قانوناً.
 
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى عدم نسخ ما يزيد عن 20 في المئة من مضمون الخبر مع ذكر اسم موقع الـ LBCI Lebanon News الالكتروني وارفاقه برابط الخبر Hyperlink تحت طائلة الملاحقة القانونية




رأي حر

والكذبُ

والدولةُ

التافهة

LBCI التالي
احتفالٌ بوقف إطلاق النار بصوت الرصاص والقذائف... ضجيجٌ لم ينتهِ!
إشترك لمشاهدة الفيديوهات عبر الانترنت
إشترك
حمل الآن تطبيق LBCI للهواتف المحمولة
للإطلاع على أخر الأخبار أحدث البرامج اليومية في لبنان والعالم
Google Play
App Store
We use
cookies
We use cookies to make
your experience on this
website better.
Accept
Learn More