طلائعُ النفط والغاز اللبناني تُقَدّرُ بثلاثمائة بليون دولار أميريكي أو ما يعادل 30 تريليون قدم مكعّب وفق الخبير "هودسغون" وهو رقمٌ تقريبيٌ يهيّئُ لبنان ليكونَ دولة غنية جدا ومميزة جدا وذلك نظرا إلى صِغرِ المساحة أوّلا ، وثانيا وهو العامل الأهمّ، كون اللبنانيين شعب عامل ومتعلّم وحيوي وهذا ما يجعل أي مبلغ في أيديهم يتحوّل إلى مبالغ إذا ما نجا من أفواه السياسيين،وثالثا المغترب اللبناني والذي يشكّل ثروة إضافية نوعية في حال استقرّت الأمور وجرت الثروة في المجرى الاقتصادي الصحيح.
إنّ لبنان أمام فرصة تاريخية تحدثُ له للمرّة الأولى من عمره القصير ليكون بلدا طبيعيا يعيش أبناؤه فيه، يبنون ويُبدعون وعلى ترابه يموتون، بلدا لا يتخذهُ شبابُه فندقا للإجازة أو لجلب العروس إلى الغربة أو لدفن أحبابهم الواحد بعد الآخر..حتى الحبّ تغيّر في لبنان المحطة وأصبح معظم الشباب يختارون زوجاتهم على الصورة والسمعة كما كان يفعل القرويون المهاجرون في استراليا.
مشكلة الهجرة اللبنانية قديمة جدا،مشكلة وَصَمَتِ الوطنَ والشعب اللبناني وتعددتْ أسبابُها في الماضي،أمّا في الزمن القريب فقد كان اللبناني يهاجر طلبا للثروة ثمّ تدهورَ الواقع الاقتصادي فصارَ اللبناني يسافر طلبا للعملِ والعيشِ فحسب في بلد نُكِب منذُ السبعينيات بحروب أفقرته وجرّدته من قدراته وتركته نهبا لأمراء الحروب وخصيانها بعد أن هجرتهُ الرساميلُ والشركاتُ الأجنبية،ولم يزلْ هذا الواقعُ رابضا وبقوة على صدور الناس وما زال الناس يربّون أولادهم ويعلّمونهم ليُصدّرونهم إلى الخارج ومن ثم يعيشون انتظارهم الأليم والحزين ليلتقوا بهم في زيارات قصيرة، لكأنّما كُتِب على جبينِ اللبنانيين هذا الفراقُ وهذه الوحشة وهذا القدرُ من الخيباتِ والدموعِ، وهل ممكنٌ أن نجدَ بيتا واحدا في لبنان إلا وأبناؤه مبعثرون في أقاصي المعمورة يحرسه أهلٌ مشتاقون قاعدين في هذا العذاب ينتظرون موتهم بعيدا عن أحبابهم.
هجرة اللبنانيين غدتْ لونَ عيونهم، من أجلها تُكتبُ القصائدُ وتُنسجُ المناديلُ والمواويلُ،هجرة تصنعُ الحكاياتِ في لواعجها وأحزانها وأشواقها وحسراتها ودموعها في أفراحها القصيرة ومآسيها الطويلة.
يا ألله ..أما لهذا الصليبِ الطويل من آخرِ؟ أما لهذا القدرِ القاسي من نهاية؟ أوهل كُتِب علينا الاغترابُ والهجران والوحدة ؟
فهذا الوطنُ الذبيحُ لم يعرفْ طعمَ الأمانِ منذ أربعينَ سنة ومن أربعين سنة واللبناني يعاني من القتل والذبح والتفجير والقصف والتشبيح،اللبناني يعاني من رُهابِ الغد ويخافُ من الفقر ومن شبح القتل يعود إليه...
و حين انتهت الحرب وتوقفتِ المدافع هجم اللبنانيون إلى الملاهي يشربون بنَهَمٍ ويرقصون ويأكلون بِنَهَمٍ ،يفعلون ذلك بإصرار كأنّما يريدون أن يتأكدوا من حياتهم بعدما غمرهم الموتُ ورعبُ الموت سنواتٍ طويلة،وعاشت الأمهات على المهدّئات وما زِلنَ، فلبنان من أكبر البلدان المستوردة لهذه الأدوية فضلا عن التهريب الكبير.
حتى الأطفال الذين كبروا،منهم من قضى طفولته في الملاجئ ومنهم من سمع عن أهوالها من أهله،حتى هؤلاء يخافون فتراهم متقوقعين في أحيائهم وطائفتهم يخشونَ الآخرَ ويجهلونَ الآخرَ...
معظمُ الشبيبة اللبنانية في الخارج،لم يبقَ هنا إلا من بلغَ خريفَ العمر أو منْ لم يحصّل عملا في الخارج أو من الطبقات الشعبية الفقيرة والجاهلة المستغرقة في بطالة فاسدة تدفعها الى التمرّد أو التطرّف أو التعسكر،أصبحت المدن تكايا للعجائز والمتقاعدين وضاع من تبقّى من شباب المجتمع المدني في حمأة الصراعات على أنواعها فجنحَ كلّ فريق إلى طائفته وقبيلته ،ومن تبقّى من القلة الأحرار راحوا يصرخون في البراري فلا يسمعون سوى صدى أصواتهم.
هل من أملٍ في آخر النفق الطويل؟
الثلاثمائة بليون دولار...وماقيمتها في بلد يتحضّرُ لحفرِ الخنادق؟
ما قيمة الثرواتِ في بلدٍ لا يجتمعُ أهلُه على مفهومٍ واحدٍ وفي بلدٍ لا يضعُ الكثيرُ من اللبنانين بلدَهم كأولوية؟
هلْ نحنُ قبائلُ الجنونِ نحترفُ الهاراكيري أو الموتَ الغبي مِنهجَ عيشٍ فنحفرَ قبورَ أهلنا بأيدينا؟
هكذا وبعد كذبة النأي بالنفس التي أردنا أن نصدّقها، يحاربُ الشيعيُّ في غير أرضِهِ دفاعا عن الشيعة كما يدّعون أو حماية لرموز دينية ظلت محفوظة سالمة طوال 1400 سنة،وهي بكلّ حالٍ رمزٌ لكلّ مسلم، وتقابلهُ وطاويطُ السنّة الناشطين في زمن السَقْطِ لتدّعي رقصاتِ الجهادِ دفاعا عن سنّةِ هم في الحقيقة شعبٌ واحدٌ جبّارٌ جديرٌ بنفسه،يَكتبُ مجده العظيم بدماء أبنائه الشهداء ليغدو الملحمة الانسانية الكبرى للعرَبِ أجمعين.
وهكذا في حفل شواءٍ داعرٍ نُحْيي عوراتِ التاريخِ فينا لنموتَ من أجلِ غيرِنا في أرضٍ ليستْ أرضَنا ،سافكينَ دماءَ أهلِنا ودائما لأجلِ مصالح دول إقليمية تتحكّم في قرارنا وتستعمل أرضنا وشعبنا حِرابا من أجل المفاوضة على مطامحها مع الآخرين الأكبر منها .
أيُّ دينٍ وأيُّ ناموسٍ يُبيحُ لنا قتلَ الناسٍ في أرضهم؟ وأيُّ قضيةٍ في الكون ومهما بلغَ سموّها تخوّلنا أنْ نصادرَ قدر الآخرين؟،وهل هنالك من قضية في الدنيا أشرف من شعبٍ يبذلُ دمَه في سبيلِ حرّيته وكرامته؟
ال300بليون دولار وعشرةٌ من أضعافها لنْ تكفينا نحن اللبنانيين لنضمِّدَ جراحاتِ بعضِنا والتي نصنعها اليومَ بأيدينا،ولنْ تكفينا للمّ شظايا وطنٍ نُكَسِّرهُ اليومَ بأيدينا،هذا إنْ بقيَ لنا وطنٌ اسمُه لبنان.
حسين الجسر