يقولُ المثلُ الانكليزي :الثرثرةُ هي سكّرُ الشاي. أيْ أنه لا تطيب جلساتُ الشاي من غير ثرثرة حول الناس وقصصها،وهي بكل حال إنجيلُ الخطيئة في كلّ زمان.
اللبنانيونَ يتبادلونَ في جلساتهم قصَص الناس وبخاصة السياسيين فتكون الشهيّة مفتوحة على الخيال والتضخيم ولكن ودائما ليس هنالك من دخان بلا نار،كما أنّ حبّ التشاوف عند المسؤولين عبر استعراض مقتنياتهم من عقارات وسيارات وحلى الزوجات يؤكد صحة المثل العربي المأثور : "تأبى الرذيلة إلاّ أن تمدّ بأعناقها".
يروي الناس ما يسمعون ويتناقلون فيقولُ أحدُهم أنّ الزعيم الملهم والطالع من بيئة قروية فقيرة يسكن في قصر مدجّج وأنّ الوزير الطليق اللسان تملّك فوق ما يملك أسهما وشاليهات في إحدى أرقى المنتجعات البحرية وأنّ الوزير فلانٌ غير الطويل يصولُ في وزارته ويجولُ وأنّ المناقصة الضخمة رستْ مؤخّرا على شركةٍ تملك زوجته فيها حصّة كبرى، وحين تسأل عن الإثبات يردّ قائلا :أنت تعرف يا أستاذ قصص العقود من الباطن والصورية وكتب التنازل،هذا لبنان ومن الصعب جلب الاثباتات...
قصصٌ وحكاياتٌ تنتشرُ في المجالس والمقاهي ثم تذوبُ مع الهواء والريح ،وستظلّ كذلك طالما أننا لم نتوصّل الى صحافة استقصائية وشفافية في المؤسسات وحق الوصول إلى المعلومة حتى يصبح في مقدورنا أنْ نُدينَ المرتكب وفقَ أدلّة لا أن يبقى الأمرُ على غاربه مفتوحا للمزايدات والتسييس وتظلّ كرامات المسؤولين نهبا لغرائز الناس ومخيّلاتهم.
كلّ الناس تعرفُ أنّ مال الدولة منهوب وأن الكثير الكثير من سياسيّيهم يرتشون ويَغْنُون وسنظلّ في هذا البلاء طالما أننا عاجزين عن جلب الوثائق بالأرقام لتكون الحقيقة سلاحنا لا أقاويل الناس،يرمونها جزافا فتصيب البريء قبل المذنب.
إنّ ما يجري اليوم من تسفيه في الإعلام وخوض في أعراض الناس وشرفها كما حدث مع شربل خليل مثلا حينما تعرّضوا لأبيه وأمّه بالسباب العلني يجعلنا نحنّ إلى قواعد شرعية حكمتنا لزمن طويل، فالذي يقذف ويرمي الناس بلا دليل يتعرّض لعقوبة شديدة.إننا حقا غدونا بحاجة إلى استقراء هذه القواعد الشرعية وقد بلغ السفهاء مبلغا عظيما يَصولون ويجولون لا في الجرائد فقط بل في الوسائط الاجتماعية العديدة من تويتر وفايس بوك والتي جعلت للجميع منابر يمتطونها بلا حسيب ولا ضابط ولا مسؤولية،فالناس منذ الأزل فيهم الفهيم والبهيم والسفيه والأديب والثرثار والحكيم والموضوعي والمتعصّب والعبد والحرّ،وجل ما فعلته هذه المنابر أنها أظهرت الناس على السطح وجعلتهم يتفاعلون بكثرة وهاهم السفهاء منهم يتشدّقون بمبادئ الحرية جاهلين أنّ الحرّية مسؤوليةٌ أوّلا وأخيرا وأنّ كلّ حرية بلا مسؤولية هي فوضى رعاع،تقودنا إلى ما نحن عليه اليوم في ثقافة المراحيض العلنية.
والقاعدة الشرعية تُحاسبُ السفيه إذا ثبتت سفاهته فتَحجُرُ عليه،فلنتطلّع حولنا لنرى كم من المسؤولين تحديدا وغير المسؤولين يعتلون المنابرَ اليومَ ويصرّحون دون أدنى شروط الأدب والمسؤولية وهم ومهما علتْ مناصبهم، هُمُ الأوْلى أن يُحْجَرَ عليهم بعدما ثبتَتْ سفاهتُهم على رؤوس الأشهاد...
حتى أهل الصحافة والاعلام المرئي يتحمّلون مسؤولية كبرى فالرخصة التي أخذوها تفرضُ عليهم الالتزام بمعايير الحدّ الأدنى من الأمانة واحترام الناس ،لا أنْ يتّخذَ بعضُ المرتزقين من جريدته سلاحا ليتعرّض لشرف الآخرين وكرامة الآخرين كي يقبض مالا...تسوّلا أو ابتزازا، تماما كالذي يقضي حاجته علنا ويَتذرّعُ بالحريّة.
طبعا أنا لا أدعو إلى العودة للوراء فإنّ أخطرَ ما في هذه القواعد ليس محتواها فهو مهم جدا بل في كيفية استعمالها من قبل الحكّام فيحوّلوها إلى وسيلة لكتم الأصوات وترهيب الأحرار تماما كما يحدث في الكثير من البلاد العربية.
لكنّنا أمام الفوضى العارمة نحن بأمس الحاجة الى صوغ بناء جديد مستحدث للإعلام وبخاصة بعدما سبقتنا التطورات التكنولوجية الحديثة وكثرت الوسائط ،فالغرب المعاصر نفسه يلهثُ ركضا ليواكب هذه المستجدّات المتسارعة والتي تطلع علينا كلّ صباح بشيئ جديد،فما بالكم بحالنا نحن في لبنان الذي يعيش إعلامه في القرن الماضي وفق مفاهيم جامدة وتحت غطاء نقابتين كرتونيتين عجوزتين هرمتين لا يربطهما بنا سوى ذكرياتٍ تعود لقرن خلا.
الحرّية إكسير الشعوب ولكي نحييها ونحياها بجدارة علينا أن نواكب العصر السريع جدا فنحفظها حينما نحدّد المسؤوليات والحقوق،وصولا إلى صحافة استقصائية محترمة وصحافيين محترمين يرفعونَ من مستوى الشفافية والتي بدونها تغدو ديمقراطيّتنا تهريجا بحتا،شفافية فمحاسبة لينتظم المسؤولون أمام محاكمة الرأي العام فلا تظلّ حكايا السمسرات والسرقات ثرثرة وتجديفا تأخذ الصالح بجريرة الطالح، ولا يبقى السفهاء من الصحافيين يُمعِنونَ في سفاهاتِهم وقذفِ الآخرين تحت مسمّى الحرية وكمْ من العظائم تُرتكبُ بإسمها.
لبنانُ منهوبٌ من سياسييه، هذه حقيقة يعرفها اللبناني من بطنِ أمه لكنّها ستظل علكا وهرْفا حتى نمارس المسؤولية بكل معانيها فنقدر حينها أن ننادي على السارق باسمه لندينه وفق الدليل والرقم الموثّقينٍ.
ولبنان هو فوضى إعلامية لا حرية إعلامية، وعلينا اليوم قبل غد مواكبة التحديث وصوغ القوانين وأوّلها المسؤولية حفاظا على قيمة الحرية وصونا لها.
حسين الجسر