لا يملُّون... ويستمرون يتوهَّمون ويحاولون... ثلاثة وثلاثون عامًا وأربعة شهور، والمحاولات مستمرة...
لا يحتملون إعلاما لا يُسبِّح بحمدِهم ولا يُبخِّر.
كانت لديهم شاشة واحدة هي الشاشة الرسمية، وإذاعة واحدة هي الإذاعة الرسمية...
جاءت شاشة خاصة في منتصف الثمانينات، فكأن انفجارًا هائلًا حدث في سماء الإعلام اللبناني، تلقَّفها اللبنانيون وكأنَّ عطشًا للإعلام الحي والحيوي كانوا يحتاجون إليه...
منذ ذلك التاريخ بدأ التضييق عليها وتعييرُها بأنها غير شرعية، ونسوا أو تناسوا أن شرعيتها من مشاهديها...
ضاقت بها الأرض فتطلَّعت إلى الفضاء، فكان الجواب الصادم: مَن هُم هؤلاء المجانين الذين يريدون الصعود إلى الفضاء قبل أن تصل الدولة اللبنانية إليه؟
عمليًا، هؤلاء المجانين هُم هؤلاء المغامرون الذين نقلوا الإعلام التلفزيوني في لبنان من إعلام "الشاشة الواحدة" إلى إعلام "الشاشات"، فانتشر الإعلام التلفزيوني بشكلٍّ لم يعهده لبنان.
حتى إن جامعاتٍ خاصة استحدثت إختصاص الإعلام التلفزيوني بسبب هذه الشاشة...
إنتهى عقد الثمانينيات من القرن الماضي ودخلنا عصر التسعينيات... الشاشة التي كانت تُعيَّر بغير الشرعية، كانت أولى المطالبين بتنظيم الإعلام في لبنان.
وليس من باب التباهي القول إن تنظيم الإعلام جاء بسبب المطالبة المتمادية من "ال بي سي آي" بهذا المطلب...
كنا نريد القانون ليكون هناك ملاذٌ نعود إليه، وحماية من هجمةِ مسؤول أو نيّةِ سياسي في تطويعنا، لكن القانون غالبًا ما كان يوضَع جانبًا إذا لم يكن يناسب هذا المسؤول أو ذاك السياسي.
مَن يريد أن يُصبح رئيسًا، كان يريد الـ"ال بي سي آي" أن تكون شاشته.
مَن يريد ان ينجح مع كتلته في الانتخابات النيابية، كان يريد الـ"ال بي سي آي" ان تكون إلى جانبه.
مَن يريد ان يُنجِح عهده، كان يريد ان تكون الـ"ال بي سي آي" إلى جانبه.
مَن يريد أن تنجح حكومتُه، كان يريد ان تكون الـ"ال بي سي آي" إلى جانبه.
لا يملُّون... ويستمرون يتوهمون ويحاولون...
الـ"ال بي سي آي" مرَّ عليها حتى الآن خمسة عهود، وهي في العهد السادس...
لم يتعلَّم أيُّ عهد من العهد الذي سبق، أن العهود تمر والـ"ال بي سي آي" باقية، وتتقدَّم...
لم تُرهبْها مراكز الاستخبارات: لا في البوريفاج ولا في عنجر ، كما لم تُرهبها مراكز الاستخبارات في الريحانية وفي اليرزة... كذلك لم تخَف من عدلية بيروت، وهي اليوم أمام اختبار جديد في عدلية بعبدا...
وفي هذا الاختبار الجديد تقف تحت سقف القانون، لكن مشعل الحرية في يدها...
اسَتمعت الى الجميع لكنها لم تسمع من أحد.
قيل لها: الموالاة تُريح والمعارضة تُتعِب، لكنها لم تَختَر ما يُريح لأنها كانت تُدرِك مسبقًا ان الموالاة بالنسبة إليهم هي الطاعة...
كان لها شرف تفريغ إنتخابات الـ13 في المئة من محتواها، حين جاء اول مجلس نيابي بعد الطائف بأصوات 13 في المئة من الناخبين، فدفعت أول الأثمان، لكنها لم تؤدِ فروض الطاعة...
جرى التضييق عليها ماليًا لكنها لم تؤدِ فروض الطاعة... "إستحلى" أحد المرشحين للرئاسة أن تكون الـ"ال بي سي آي" من عدة الشغل ليصل إلى بعبدا ولينجح عهده، لكن رغبته لم تتحقق.
لا يملُّون... ويستمرون يتوهمون ويحاولون...
في الشهر الرابع من العام الثالث والثلاثين من عمر الـ"ال بي سي آي"، نقول للمشتهين وللراغبين: الـ"ال بي سي آي" كيانٌ مستقل تحدُّه من جهة حرية الإنسان والحرياتُ العامة، ومن جهة ثانية القوانين المرعية الإجراء، وإنْ كانت ترى انها قديمة ورثّة، لكنها تناضل من أجل تحديثها، فالحرية والقانون جهادٌ وتحدٍّ يوميان...
كل هذه المشاهد كانت امامنا اليوم في قصر العدل في بعبدا، في وقفة هي محطة من المحطات المشرِّفة للـ"ال بي سي آي"...
فقبلها محطات وبعدها محطات... المهم أنها باقية ما دامت الحرية باقية، شاهدةٌ حيَّة على حرية الإعلام اللبناني وحيويته، ولولا هذه الإعلام لكان لبنان مجرد عَقار على شاطئ المتوسط.
التالي
الـAi وعمليات الاحتيال...