تمتعوا بعطلة عيد الفصح لدى الطوائف الشرقية وبعدها عيد العمال لاننا سنكون اعتبارا من الثلثاء المقبل على موعد مع جنون لبناني من نوع آخر، هو جنون الموازنة وبنودها.
كل لبناني سيصبح خبيرا اقتصاديا، وسيدلي بدلوه في الارقام، وسبل المعالجة، واين اخطأت السلطة واين اصابت.
وبينما سيدرس مجلس الوزراء اعتبارا من الثلثاء بنود الموازنة، علمت الـLBCI ان تحركات شعبية تحضّر في الموازاة على مستوى العسكريين المتقاعدين، واخرى على مستوى الحَراك المدني الاربعاء علما ان كل اللبنانيين، سلطة وشعبا يعلمون ان الوضع الاقتصادي والمالي الذي وصلنا اليه فاق حدة الخطورة.
ونحن في عز النقاش حول الموازنة، تتكشف امامَنا مشكلة ٌ اساسية: غيابُ دقة الارقام ووحدتِها، علما ان هذه الارقام، يفترض ان تخلوَ حتى من إمكان ِالخطأ، لكي تأتيَ الموازنة على قدْر المطلوب لانقاذ البلد، سَواءٌ محليا او دوليا.
فما المطلوب من الموازنة، التي هي عمليا مثلَ حساباتِ ايٍّ من منازلنا، ترتكز الى معيارٍ اساسي هو الناتجُ المحلي الاجمالي، اي مدخولُ البلد.
تقول الارقامُ التقريبية, إن ناتج لبنان بقطاعيه العام والخاص هو ما بين 59 و60 مليار $ سنويا، ومن هذا الرقم تنطلق الموازنة، لتُحتسب نفقاتُ الدولة وايراداتُها، وصولا إلى احتساب الفرق بين الاثنين، فاذا جاء الجواب سلبيا، يَظهر عجز الموازنة الذي يجب الا يتعدى الـ3% من الناتج المحلي الاجمالي بالمعايير الدولية.
هنا مشكلة لبنان الفعلية.
فنسبة ُ عجز الموازنة من الناتج المحلي الاجمالي كانت 11.5 في المئة عام 2018، وفي نيسان 2018 كان مشروع الموازنة يقدِّرُ العجزَ بـ 8 بالمئة، فإذ به آخر 2018 يتخطى 11.5 بالمئة.
الامر الذي يفاقم الازمة المالية بجدية ويستوجب العملَ على تصحيحِها وبالسرعة القصوى، ما يعني ضرورة َ خفض العجز في موازنة 2019 الى حدود الثمانية في المئة.
فهل الموازنة بشكلها الحالي قادرة ٌ على تأمين هذا الخفض؟
يُجمعُ عددٌ من الخبراء الاقتصاديين ان الموازنة َ قادرة على تأمين خفضٍ يصل الى ما نسبتُه 8.8 في المئة، وان ذلك سيحصل عبر استقرار خدمة الدين العام, وخفض ِمعاشات التقاعد ونهاية الخدمة, ورفع ِ الضريبة على فوائدِ الودائع من 7 الى 10 بالمئة, وخفض بعض النفقات الجارية المتعلقة بالمواد الاستهلاكية والخِدمات الاستهلاكية والتحويلاتِ والمنافع الاجتماعية.
ولكنالعبرة َ في الوصول الى كل ذلك تبقى في التنفيذ، وفي التأكدِ من تأمين كيفية استقرارِ خدمة الدين العام, فهل يحصُل ذلك عبر مساهمةِ القطاع ِ المصرفي ومصرف لبنان في تأمين هذا الاستقرار؟
علما ان لبنان تعهدَ امام مؤتمر سيدر بتخفيض عجز الموازنة بقيمة خمسة في المئة خلال السنوات الخمس القادمة، وان خطة الكهرباء وحدها اذا نُفذت، يمكن ان تؤمن وَفرا ماليا يتعدى الـ3 في المئة في العام 2020.
ولكن قبل الدخول في تفاصيل الارقام، وفي كيفية تخفيض عجز الموازنة، وضمان ِعدم تخطي ارقام انفاقِها، والتأكدِ من ضمان ايراداتها، لا بد ان نتحملَ كلُنا مسؤولية َ عجزنا الاخلاقي اولا والاقتصادي ثانيا، من اصغر مواطن الى اعلى مسؤول.
فمن منا لم يرش موظفاً، ولم يتهرب من ضريبة، ولم يتلاعبْ بدفاترِ حسابات شركاته، ولم يتحايل على القانون، ولم يطلب (واسطة ما) ستصب بطريقةٍ او في أخرى في خانة "التذاكي" على الدولة وعلى الطريقة اللبنانية؟
من من المسؤولين لم يتحايل بدوره، ويستفِدْ من موقعه ويفسِدْ في الارض، ويتدخلْ في المناقصات والمزايدات، ويوظف عشوائيا لمصالحَ شخصية او حزبية، ويساهمْ بوضع سلسلةِ رتبٍ ورواتبَ بأرقام ٍ مغلوطةٍ ويساهم بسياسة نقدية خنقت القطاعات المنتجة، فقضت مع السلسلة على ما بقي من مقومات الاقتصاد؟
اليوم الدولة متعبة ونكاد نفقِدها بفعل كل ما فعلناه كلُنا واليوم ايضاً نحن تحت انظارِ العالم الذي "تذاكينا عليه مرة ً على الاقل" فيما ننتظر ايَّ (ملّيم) يأتينا منها لينقذنا... فكفى.
التالي
الـAi وعمليات الاحتيال...