02 أيار 2022 - 09:58
Back

وداعاً القاضي سامي منصور

وداعاً القاضي سامي منصور Lebanon, news ,lbci ,أخبار قضاء, وفاة,القاضي سامي منصور,وداعاً القاضي سامي منصور
episodes
وداعاً القاضي سامي منصور
Lebanon News
في ذكرى مرور أربعين يوماً على وفاته، "وداعاً القاضي سامي منصور" بقلم عبده جميل غصوب ونصري أنطوان دياب عبده:

التواضع سمة الكبار. نحن نعلم ان الحديث عن صفات سامي منصور تجرح تواضعه، ولكن وفاءنا له دفع بنا الى كتابة هذه الاسطر القليلة التي لا تفيه حقه، مع العلم ان بضعة أسطر لن تكون كافية للكلام على سامي منصور، القاضي، والباحث، والاستاذ الجامعي، والصديق الوفي.
الإعلان

وُلِدَ سامي منصور في بلدة من بلدات ساحل المتن الجنوبي هي برج البراجنة، فترعرع بين أسطح قرميدها وجنائنها، وتشّرب منها ألفة أهل الضيع وتواضعهم. لم يكن يرتاح الا بين اهلها الذين كان يصفهم بالصادقين، الكرماء والمحبين. كان تلميذاً بارعاً ومتميزاً في العاملية، حيث تلقى دروسه، ثم اختار لدراسته الجامعية كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، حيث لمع فيها طالباً وكان من بين خريجّيها الأوائل. قاده شغفه بالبحث العلمي الى اختيار اطروحته في القانون المدني بموضوع توازن العقود، فتولى كتابتها بإشراف كبار اساتذة الجامعة في حينه، امثال ادمون نعيم ونقولا اسود وعاطف النقيب وسواهم من علماء القانون. منذ بداية بحثه العلمي الجامعي تميّز بدقة البحث والشمولية والتعمق، بعيداً عن سرد الافكار او جمعها. نال شهادة الدكتوراه بتفوق وتميّز.

ثم تولّى سامي منصور التدريس الجامعي، فكان استاذاً مميزاً في عطائه وتفانيه وتجدده، وما زال طلابه يذكرون كيف انه تفانى في تلقينهم المعرفة القانونية وجعل منهم نقاداً لا متلقين، فاذا بهم يطمحون في السير على خطاه، وكثيرون منهم وصلوا.

مارس المحاماة لفترة قصيرة، ثم ما لبث ان خاض غمار سلك القضاء، فتفوّق بين المتبارين ودخل طالباً "متميزاً" الى معهد الدروس القضائية، حيث كان من أبرز وألمع المنتسبين إليه، ونال منحة للتخصص في الخارج في جامعة Paris 2، حيث عاد من هناك وبيده أكثر من كتاب تنويه.

تدرّج سامي منصور في القضاء من قاض منفرد الى رئيس غرفة في محكمة التمييز، وكانت الاحكام والقرارات التي يصدرها او يشارك في اصدارها تسهم في تطور الاجتهاد. لم يكن قاضياً عادياً يتبوأ مراكز تُسند اليه. كان حدثاً قانونياً يترك آثاره في المحاكم التي يتولاها وفي الملفات التي يعمل عليها. وهو مثال القاضي اللبناني العريق الذي يطمئن المتقاضي على الالتجاء الى محكمته وحكمته.

ترأس سامي منصور معهد الدروس القضائية، وهو المركز الذي طالما كان يصبو اليه لانه خزّان العلم والمعرفة في القضاء. طبع فترة توليه رئاسة معهد الدروس القضائية بصفاته الاخلاقية، والمهنية والاكاديمية، حيث حوّل المعهد منارةً علمية للقضاة، لا مجرّد مرحلة إلزامية يمرّون فيها قبل تعيينهم قضاة أصيلين. نظّم اكثر من مؤتمر، وعمل على تدريب القضاة مع عدّة جهات دولية، لا سيما مع الاتحاد الاوروبي حيث عمد الى تدريب القضاة، ثم الى إعداد متدربين لتولي التدريب لاحقاً. خلال ولايته، كان سامي منصور مثالا يحتذى في التواضع والاخلاق والمناقبية. هكذا عرفناه وهكذا عرفه الكثيرون سوانا.

اما في مجال البحث العلمي، فلم يترك باباً علمياً الا وطرقه، بدءاً من القانون المدني، والقانون التجاري، مروراً بالقانون العقاري والقانون الدولي الخاص، دون ان ننسى القوانين المصرفية والمالية وسواها. كان ينتقل بسهولة بين مادة وأخرى دون عناء او تكلّف، وكانت ثقافته القانونية المتعددة تقوده تلقائيا الى حيث يشاء.

ترك سامي منصور عشرات الدراسات والمقالات العلمية القيّمة جداً، كما ترك أكثر من خمسة عشر مؤلفاً، كانت ولا تزال تشكل مراجع علمية لأهل العلم والمعرفة. وقد أغنى مجلّة نقابة المحامين في بيروت "العدل" بعدد كبيرٍ من الدراسات أصبحت كل واحدة منها مرجعاً في الموضوع التي تناولته، وكان التعامل معه في هذا الإطار ممتعاً على الصعيدين العلمي والإنساني.

وقد أصدر سامي منصور قبل أشهر قليلة من وفاته مؤلفاً قانونياً ضخماً، جمع فيه عدة دراسات علمية بموضوع "الواقعية في القانون". وقد أصرّ، رغم الصعوبات، على مناقشة اطروحة دكتوراه قدّمها أحد طلابه قبل شهر ونيّف من وفاته. أراد ان يختتم حياته بالعلم والمعرفة كما بدأها، فكان له ما أراد.

سامي منصور الانسان، يطول الحديث عنه، هو الصديق الوفي في صداقته، تجده الى جانبك في السرّاء والضراء. تشاركنا معه في كتاب " القانون الدولي الخاص " بجزئيه " تنازع الاختصاص التشريعي" و" تنازع الاختصاص القضائي"، فكان يردد دائما على مسامعنا أنه يوجد بيننا " خبز وملح" المعرفة.

كان العلم والمعرفة نقطة انطلاقته ورافقاه حتى آخر لحظات حياته، فترك هذه الدنيا وطَيف علمه ومعرفته يرفرف. ذهب سامي منصور من هذا العالم، ولكن إرثه العلمي سيبقى أبداً.
 
الإعلان
إقرأ أيضاً