تستعدّ العاصفة التي تضرب لبنان لدخول مرحلتها الثالثة، الأشدّ قسوة. لكن، رغم ذلك، كان يمكن أن يقتصر المشهد على فرح الأولاد وهم يلهون بالثلج. فغضب الطبيعة لم يصل بعد إلى حدود الكارثة من حيث قوّة الرياح أو كمية الأمطار المتساقطة. أمّا الكارثة التي نشهد فصولها، فهي كارثة إداريّة وسياسيّة وليست كارثة طبيعيّة.
فما من مبرّر طبيعيّ بإمكانه تفسير حال الطرقات، تلك التي سبحت في المياه أو التي تهاوت. وما من مبرّر طبيعيّ يفسّر العزلة التي تعرّضت لها أحياء عديدة. وما من مبرّر طبيعيّ يفسّر التهديد بزوال حيّ السلم، أو الأعطال الكهربائية المتراكمة.
وما من مبرّر طبيعيّ يفسّر الموت الذي حصدته العاصفة. فالطبيعة لم تقتل. القاتل هو الإهمال والفساد واللامبالاة التي يحسَد المسؤولون في هذه البلاد عليها. لامبالاة يملك المسؤولون، سواء انتموا إلى هذا المعسكر أو ذاك، ترفَ التمتّع بها، ما داموا يجلسون داخل أمكنة دافئة، مطمئنّين إلى غياب آليات المراقبة والمحاسبة.
ففيما كان علي، الشريد منذ الحرب الأهلية، يغادر شارع "بلس" للمرّة الأخيرة، وفيما كان الفقراء والنازحون يبحثون عن تنكة مازوت، كان ممثّلو القوى السياسية مجتمعين في ساحة النجمة للتوافق على قانون انتخابات يهدف، مهما تغيّر شكله، إلى إعادة إنتاج الطاقم السياسي نفسه، حتّى تعيد العواصف في الأعوام المقبلة إنتاج الكوارث نفسها.