هكذا ينتهي الديكتاتور: صورةٌ مضرّجةٌ بالذل ورأسٌ محشورٌ بين أقدام الناقمين والمنتقمين. لم يترك معمر القذافي صديقاً يلوذ إليه عند لحظة الفرار كما زين العابدين بن علي.
ولم يُبق ِ على جيشٍ يُخرجه إلى المستشفى ليُحاكم على سرير نقال كما حسني مبارك. ولم يحظَ بقوة احتلالٍ تُخرجه من الحجرة وتسلّمه لأخصامه ليُعلّق بعد حين كما صدام حسين. وقع الجلاد في أيدي ضحاياه الذين أصبحوا جلاديه، لقد قـُتل كما حكم.
قبل إثنين وأربعين عاماً حلم ضابطٌ صغير باللقب الكبير وبأدوارٍ كثيرة لم يسبقه إليها أحدٌ في الغرابة والخيال، فصَادر أحلام الليبيين وحياتهم واستخدمها وقوداً أشعل فيه حرائق ومؤمرات ودسائس في العالم العربي وأفريقيا وأميركا اللاتينية وحتى أوروبا الغربية، لذلك تليق هذه النهاية الحزينة بملك ملوك أفريقيا وعميد الرؤساء. فالدماء التي غطت جثته المثقوبة بالرصاص تُعانق صراخ أرواح المئتين وسبعين ضحية الذين سقطوا في طائرة البنام فوق لوكربي العام 1988، وجثث المئة وسبعين قتيلاً ضحية الطائرة الفرنسية لشركة "يوتا" التي فُجرت فوق النيجر العام 1989، وعذاب الإمام الصدر ورفيقيه، ودموع وانتظار الأمهات والزوجات وأبناء المعارضين السياسيين للعقيد ونظامه، فضلاً عن آلاف الثوار في فلسطين ولبنان ومصر وتشاد الذين صدقوا شعارات الزعيم القائد وكتابه الأخضر فوقعوا في براثن صدقاته المالية وشعاراته التعبوية. إنها مأساة صانع المآسي.
تعددت الروايات عن طريقة موت القذافي. لكن الصور الأخيرة أكدت أنه وقع بمكيدة أو بوشاية أو بخطة في أيدي الثوار الذين قتلوه في لحظة ما وجاءوا بجثته من سرت إلى مصراتة، والصورة أبلغ من التعليق.