LBCI
LBCI

"العدوى العاطفية" والقلق الجماعي: كيف يتحوّل الخوف إلى عدوى في زمن التهديد؟

منوعات
2026-03-03 | 04:35
مشاهدات عالية
شارك
LBCI
شارك
LBCI
Whatsapp
facebook
Twitter
Messenger
telegram
telegram
print
"العدوى العاطفية" والقلق الجماعي: كيف يتحوّل الخوف إلى عدوى في زمن التهديد؟
Whatsapp
facebook
Twitter
Messenger
telegram
telegram
print
5min
"العدوى العاطفية" والقلق الجماعي: كيف يتحوّل الخوف إلى عدوى في زمن التهديد؟

في أزمنة التهديد، لا ينتشر الخوف فقط عبر صفارات الإنذار وأصوات الانفجارات، بل ينتقل أيضاً بصمتٍ بين الوجوه، عبر الشاشات، ومن خلال الكلمات. ما يبدو شعوراً فردياً قد يتحول سريعاً إلى حالة نفسية عامة تظلل مجتمعاً بأكمله. هنا يظهر مفهوم "العدوى العاطفية".

العدوى العاطفية هي العملية التي نلتقط من خلالها، من دون وعي، مشاعر من حولنا. نحن لا نستمع فقط إلى الأخبار؛ نحن نلتقط نبرة الصوت، توتر الجسد، تعابير الوجه، وحتى طاقة المكان. فنميل إلى محاكاة مزاج الآخرين وتعابيرهم كما لو أن مشاعرهم أصبحت مشاعرنا.

تشير الدراسات إلى أن التفاعلات الاجتماعية — سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة — قادرة على إحداث تزامن عاطفي وسلوكي بين الأفراد. قد يكفي أن نرى الخوف في عيني شخص آخر حتى يتنشط في داخلنا النظام العصبي ذاته المرتبط بالشعور بالخطر. ويمكن أن تُثار العدوى العاطفية عبر تعابير الوجه، أو عبر مراقبة سلوك الآخرين، أو حتى من خلال التفاعل الرقمي. بعض الأبحاث في علم الأعصاب توضح أن هذا التزامن يمكن أن يكون فسيولوجياً أيضاً، حيث يتطابق إيقاع الانفعال بين الأفراد خلال التفاعل.

لكن في زمن الحرب، لم تعد العدوى العاطفية تقتصر على الدائرة الاجتماعية الضيقة. لقد توسعت لتصبح ظاهرة رقمية.

وتشير أبحاث علم النفس الإعلامي إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تكتفي بنقل الوقائع خلال الأزمات، بل تعيد تشكيل التجربة العاطفية للجمهور. فالتعرض المكثف للمحتوى المرتبط بالتهديد يزيد من شدة القلق والغضب والحزن.

توضح نظريات التقييم العاطفي أن المشاعر لا تنشأ من الحدث ذاته، بل من الطريقة التي نفسّر بها الحدث. عندما يتكرر أمامنا محتوى يصوّر الوضع على أنه غير قابل للسيطرة أو مليء بالغموض، يميل الدماغ إلى تفسيره كتهديد دائم، فيتولد القلق. وعندما يُقدَّم الحدث في إطار تحميل المسؤولية لطرف معين، يتعزز الغضب. أما عندما تتركز السرديات على الخسائر غير القابلة للتعويض، فيبرز الحزن.

وما يزيد خطورة الأمر أن المشاعر السلبية على وسائل التواصل الاجتماعي ذات طبيعة “معدية”. التعبير العلني عن الخوف أو الغضب يدفع الآخرين لاختبار مشاعر مماثلة. إعادة نشر فيديو صادم، مشاركة قصة مأساوية، أو حتى تعليق مشحون بالغضب، كلها أدوات تنقل الانفعال أفقياً بين الناس.

وهكذا، لا ينتشر الخبر فقط، بل ينتشر الشعور معه.

من الشعور إلى السلوك

القلق الجماعي ليس حالة عاطفية عابرة، بل قوة قادرة على توجيه السلوك الاجتماعي. تشير الدراسات إلى أن القلق قد يدفع الناس إلى الامتثال لإجراءات الحماية، بينما قد يحفّز الغضب التحرك والمطالبة بالتغيير. أما الحزن فقد يعزز التعاطف… أو، في بعض الحالات، يؤدي إلى الانسحاب واليأس.

بمعنى آخر، المنصات الرقمية لا تضخم المشاعر فحسب، بل قد تعيد توجيه استجابة المجتمع بأكمله للخطر.

حين تتحول المعلومات إلى سلاح

في زمن الحرب، لا يقتصر الخطر على الرصاص. فبينما يحاول الناس تفادي القصف والبحث عن الأمان، قد يجدون أنفسهم أيضاً محاصرين بسيل من المعلومات الكاذبة أو المحرضة على الكراهية التي تنتشر بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

هذه المعلومات — رغم كونها رقمية وغير ملموسة — يمكن أن تُحدث أذى حقيقياً. فالسرديات الضارة قد تدفع إلى أفعال لاحقة، أو قد تُنتج الأذى بحد ذاتها. يكفي أن تنتشر شائعة تستهدف جماعة عرقية معينة في توقيت متزامن مع اعتداءات ضدها، حتى يُفترض وجود تأثير متبادل بين الخطاب الرقمي والسلوك على الأرض.

صحيح أن إثبات العلاقة السببية المباشرة بين المعلومات والفعل ليس أمراً سهلاً، لأن السياق الاجتماعي والسياسي يلعب دوراً حاسماً في تفسير المحتوى، لكن التزامن بين انتشار خطاب تحريضي ووقوع أفعال عنف ليس تفصيلاً يمكن تجاهله.

وفي حالات أخرى، قد لا يحدث فعل مباشر، لكن الضرر يقع: حرمان من مساعدات إنسانية، سلوك طرق إجلاء غير آمنة بسبب معلومات مضللة، أو تجنب خدمات طبية نتيجة شائعات.

هنا يصبح الخوف ليس فقط شعوراً… بل بيئة.

مجتمع تحت ضغط عاطفي دائم

في سياق التهديد المستمر، يتحول التعرض المتكرر للمحتوى المشحون عاطفياً إلى عامل مضاعف للقلق الجماعي. يتوسع التقييم النفسي للحدث، ويصبح الخوف حالة مزاجية عامة لا تخص فرداً بعينه.

العدوى العاطفية تذكّرنا بأن الإنسان كائن اجتماعي وعصبي في آن واحد. ما نشعر به ليس معزولاً، وما نشاركه لا يبقى فردياً. في زمن الحرب، قد لا يكون السؤال فقط: ماذا يحدث على الأرض؟ بل أيضاً: ماذا يحدث في عقول الناس وقلوبهم؟.
 
المصادر:

منوعات

العاطفية"

والقلق

الجماعي:

يتحوّل

الخوف

التهديد؟

LBCI التالي
الصحة النفسية تحت القصف: هكذا تضاعف النزاعات المسلحة القلق والاكتئاب عالمياً
طفح جلدي أحمر كبير على رقبة ترامب يثير التساؤلات... وهذا ما أوضحه الطبيب الرئاسي (صورة)
LBCI السابق
حمل الآن تطبيق LBCI للهواتف المحمولة
للإطلاع على أخر الأخبار أحدث البرامج اليومية في لبنان والعالم
Google Play
App Store
We use
cookies
We use cookies to make
your experience on this
website better.
Accept
Learn More