لطالما اعتُبر اضطراب طيف التوحّد اضطرابًا يغلب على الذكور، لكن دراسة علمية واسعة كشفت أن عدد الفتيات المصابات قد يكون قريبًا جدًا من عدد الفتيان، إلا أن التشخيص لديهن يأتي متأخرًا.
وأظهرت الدراسة، التي تابعت أكثر من 2.5 مليون طفل وشاب على مدى عقود، أن الأولاد غالبًا ما يُشخَّصون في سن مبكرة، بينما “تلحق” الفتيات بمعدلات التشخيص خلال فترة المراهقة، لتتساوى النسب تقريبًا بين الجنسين عند سن العشرين.
ووصف الخبراء النتائج بأنها "مهمة وفي وقتها"، مؤكدين أنها تدعم ما يعرفه باحثو التوحّد منذ سنوات، وهو أن اضطراب طيف التوحّد ما زال غير مُشخَّص بشكل كافٍ لدى النساء.
ونُشرت نتائج الدراسة في المجلة الطبية البريطانية (BMJ)، حيث أشار الباحثون إلى أن هذه المعطيات تبرز الحاجة الملحّة لفهم أسباب تأخر تشخيص التوحّد لدى الإناث مقارنة بالذكور، وفق ما نقل موقع
دايلي ميل.
وقادت الدراسة مؤسسة كارولينسكا السويدية، وشملت نحو 2.7 مليون شخص وُلدوا في السويد بين عامي 1985 و2022، وتمت متابعتهم لمدة تقارب 35 عامًا.
وخلال هذه الفترة، جرى تشخيص 78,522 حالة توحّد، وكان متوسط العمر عند التشخيص نحو 14 عامًا.
وبيّنت النتائج أن التشخيص يكون أكثر شيوعًا لدى الأولاد بين سن 10 و14 عامًا، بينما يبلغ ذروته لدى الفتيات بين 15 و19 عامًا. وعند سن 20 عامًا، لم تُسجَّل فروق تُذكر في معدلات التشخيص بين الجنسين.
ويُعدّ اضطراب طيف التوحّد حالة نمائية عصبية يولد بها الإنسان، إلا أن اختلاف شدته وتنوّع مظاهره يؤدي إلى تشخيص بعض الحالات في الطفولة، في حين لا يُكتشف لدى آخرين إلا في مراحل لاحقة من الحياة.
ويظهر التوحّد عادة من خلال اختلافات في التواصل الاجتماعي، وسلوكيات متكررة أو نمطية، وقد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية وارتفاع خطر الإصابة بمشكلات نفسية وجسدية.
وطرح الباحثون عدة تفسيرات لسبب الاعتقاد السائد بأن التوحّد اضطراب ذكوري، من بينها ما يُعرف بـ«التأثير الوقائي لدى الإناث»، والذي يفترض أن الفتيات يحتجن إلى عبء وراثي أعلى لظهور الأعراض بشكل واضح.
كما أشاروا إلى أن الفتيات غالبًا ما ينجحن في إخفاء سمات التوحّد عبر تقليد سلوك الأقران في المواقف الاجتماعية، إضافة إلى أن معايير التشخيص الحالية تميل إلى التركيز على أنماط تظهر بصورة أوضح لدى الذكور.
وبحسب الدراسة، قد لا تصبح صعوبات الفتيات واضحة إلا عندما تصبح العلاقات الاجتماعية أكثر تعقيدًا خلال المراهقة.
وخلص الباحثون إلى أن الفجوة بين الذكور والإناث في تشخيص التوحّد تُظهر "تأثير اللحاق بمرور الوقت"، ما يعني أن التوحّد ليس اضطرابًا خاصًا بالذكور، بل إن الذكور فقط يُظهرون الأعراض التقليدية في سن أبكر، فيُشخَّصون أسرع.
في المقابل، حذّر بعض الخبراء من تبسيط النتائج، مشيرين إلى أن تشخيص الإناث المتأخر قد يعكس وجود أنماط مختلفة من التوحّد لدى النساء، أو تأثر معدلات التشخيص باضطرابات نفسية مصاحبة لم تؤخذ بالكامل في الاعتبار.
وأكد متخصصون أن نقص تشخيص التوحّد لدى الفتيات والنساء يمثل مشكلة خطيرة، إذ ترتبط حالات التوحّد غير المشخّصة بصعوبات شديدة في الحياة اليومية وبارتفاع خطر الاكتئاب والأفكار الانتحارية.
وتأتي هذه النتائج في وقت تشهد فيه خدمات تشخيص التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ضغطًا متزايدًا، مع وجود عشرات الآلاف من الأطفال والشباب على قوائم الانتظار، خصوصًا من الفتيات والنساء اللواتي لم يُشخَّصن في وقت مبكر بسبب ضعف الوعي السابق بطبيعة التوحّد لديهن.