في حضن طبيعة جبال لبنان الخلابة، حيث تلامس قمم الجبال أطراف السماء الزرقاء، وحيث ترسم شمس المغيب لوحات تتشح بذهب الأصيل وأرجوان الغسق، وضمن افتتاح فعاليات "مهرجان المزار السياحي 2026"، أقيمت أمسية موسيقية استثنائية حملت عنوان "سمفونية فوق السحاب"، بدعوة من رئيسة المعهد العالي للموسيقى - الكونسرفتوار، الدكتورة هبة القواس، التي تؤمن بأن الفن العظيم يحتاج إلى حواضن تليق بعظمته وتمد جسور التواصل بين الثقافات. ا
لأمسية التي تلألأت في "حدائق المزار" (Les Jardins du Mzaar) في كفردبيان، بتنظيم رفيع المستوى من مهرجان المزار السياحي (Mzaar Summer Festival)الذي لم يكتفِ بصنع الحدث فحسب، بل أبدع في الهندسة الميدانية واللوجستية، إذ ساهم بجهد استثنائي في بناء المسرح وتصميم وتوظيف أحدث تقنيات الإضاءة والصوت التي تليق برهبة الحدث، لتتحول تلك البقعة الساحرة إلى واحة روحية وفنية تحبس الأنفاس، وكأن الإبداع قد اتخذ من علو الجبال منبراً ليبث ترانيم الأمل والحياة.
على مسرح تحتشد فيه هيبة المكان وعظمة النغم، اعتلت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية الخشبة، بقيادة المايسترو لبنان بعلبكي، الذي قاد الأوركسترا بحس فني مرهف وقيادة واثقة تنسج من السكون إيقاعاً نابضاً بالحياة، جامِعاً بين صرامة الأكاديمية ودفء الإحساس الوطني. وقد رافقتهما صوتاً وحضوراً السوبرانو المتألقة إيكاترينا سوميتشيفا (Ekaterina Somicheva)، بصوتها الأوبرالي العذب الذي يمتد ليعانق الأفق، مستعرضة تقنية صوتية مذهلة، إلى جانب كورال جامعة سيدة اللويزة بقيادة الأب المايسترو خليل رحمة، هذا الكورال الذي يرتفع بالأصوات البشرية لتصبح أقرب ما تكون إلى مناجاة ملائكية ترتل في محراب الجمال الأبدي.
حضر الحفل وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة (ابن البلدة)، إلى جانب باقة غفيرة من الشخصيات وهواة الموسيقى. قدمت الحفل ممثلة شركة المزار، نيكول واكيم، بكلمة ترحيبية، تلتها كلمة رئيسة المعهد العالي للموسيقى الدكتورة هبة القواس.
استهلت القواس كلمتها بالإضاءة على الظروف الاستثنائية التي مرّ بها لبنان هذا الصيف، والتي أدت إلى إلغاء معظم المهرجانات، مؤكدة أن الكونسرفتوار اتخذ قراراً استراتيجياً بالوصول إلى كافة المناطق والقرى اللبنانية عبر أوركستراته وفرقه المتنوعة، شملت محطاته: بيروت، فاريا، كفردبيان، البترون، بتخنيه، برمانا، والديمان ومناطق أخرى. وأضافت: "أوركسترا الشباب بشقيها الشرقي والغربي تحيي الليلة حفلاً في وسط بيروت، ونحن هنا لنشارككم أجواء صيف استقطب الزوار من مختلف المناطق. نعترف أننا تأخرنا في القدوم إلى هذه المنطقة الساحرة، وكان يجب أن نكون بينكم قبل اليوم، ولكنها بالتأكيد لن تكون المرة الأخيرة صيفاً وشتاءً، ولدينا مشاريع شتوية واعدة سنكشف عنها في حينها".
ووجهت القواس تحية تقدير وشكر لوزير الثقافة غسان سلامة على دعمه الدائم ووقوفه إلى جانب الكونسرفتوار. كما شكرت أعضاء الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية على جهودهم المضاعفة في أصعب الظروف التي يعيشها الوطن، وخصت بالشكر المايسترو لبنان بعلبكي، وكورال جامعة سيدة اللويزة – فرداً فرداً – وقائده الأب خليل رحمة، مثنية على التعاون المستمر واعتباره جزءاً لا يتجزأ من عائلة الكونسرفتوار. كما رحبت بالصوت السوبرانو المميز لإيكاترينا سوميتشيفا القادمة من سان بيترسبورغ لإحياء هذه الأمسية الاستثنائية.
وختمت القواس كلمتها بإعلان بارز، مفاده موافقة الكونسرفتوار على إنشاء فرع رسمي له في كفردبيان، مؤكدة أنه قد تم تأمين المكان المخصص له مسبقاً.
تألف البرنامج الموسيقي للأمسية من باقة مختارة بعناية فائقة من روائع الأوبرا العالمية والمقطوعات الأوركسترالية والكورالية التي تحاكي أعماق النفس البشرية وتغوص في تراجيدياتها وفرحها المطلق. استهلت الحفل مقطوعة "" (Bacchanale) من أوبرا "شمشون ودليلة" لـ سان صانس، لتأخذ الحاضرين في رحلة كلاسيكية نابضة بالحيوية والشغف والتحرر الإيقاعي عبر دروب الشرق والغرب. تلا ذلك عبق التراث الأوبرالي الإيطالي عبر مقطوعات خالدة مثل "كاستا ديڤا" من أوبرا "نورما" لـ بيليني، حيث تجلت قدرة السوبرانو سوميتشيفا على تطويع نبراتها لتلامس حدود الإعجاز النغمي، مصورةً عظمة العشق الإلهي والإنساني في آن واحد.
وامتد السحر ليشمل موسيقى بوتشيني الباهرة في "أو ميو بابينو كارو" من أوبرا "Gianni Schcchi"، و"إنترمزو مانون ليسكو"، حيث تتجلى الأوبرا كمرآة للوجع الرقيق، مروراً برشاقة "فالس كوبيليا" لـ Delebis التي أضفت إيقاعاً راقصاً يحاكي نسيم الجبال، وصولاً إلى الأجواء الروحانية المؤثرة في "ريجينا كويلي لـ "ماسكاني" بأداء مشترك بين السوبرانو والكورال، و"لي فوشه نوتورني" من أوبرا "إيل تروباتوري" لـ فيردي بصوت الكورال المهيب الذي ردده صدى صخور المزار.
ولم يتوقف النبض عند هذا الحد، بل مضى البرنامج في رحلته العميقة ليبلغ ذرى جديدة مع تحفة "النبي" (The Prophet) للمؤلف الكبير غابرييل يارد (Gabriel Yared)، حيث تداخلت أصوات الكورال مع سحر الأوركسترا لتجسد أبعاداً فلسفية وروحية تنبض بالهوية اللبنانية العالمية. ثم تسارعت دقات الجمال مع ترنيمة الشجن القومي الخالدة "فا بينسيرو (Va Pensiero) لـ "فيردي" بأداء كورالي ساحر يلامس الوجدان، قبل أن تشتعل الأجواء الحماسية برقصات "بولوفيتسيان (Polovtsian Dances) لـ "بورودين" التي حملت الأكف والألباب إلى فضاءات ملحمية واسعة. ولم يكتفِ العرض بذلك، بل امتد ليعانق إيقاعات الحداثة والبهجة عبر "مامبو" من مسرحية "وست سايد ستوري" لـ ليونارد بيرنشتاين، ويتوّج المساء بروعة أغنية "سمرتايم" (Summertime) لـ غيرشوين بأداء مبهر مشترك بين السوبرانو سوميتشيفا والكورال النسائي، كأنها تحية متجددة لفصل السحر والجمال.
هذا الفيض النغمي لم يكن ليتبلور بمثل هذه السطوة الإبداعية لولا الأداء المتمكن لـ الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية، تلك الآلات التي تحولت بين أيدي العازفين إلى كائنات حية تتنفس شغفاً وانضباطاً. فأظهرت الأوركسترا تكاملاً مذهلاً في توازن الأقسام العازفة، حيث تماهت درجات الوتريّات (Strings) الدافئة مع رهافة النفخات الخشبية، وشموخ النحاسيات التي رسمت ببراعة هيكلية العمل، مستجيبةً لكل إشارة دقيقة من عصا المايسترو لبنان بعلبكي. فبدا العرض الأوركسترالي وكأنه نسيج محبوك بعناية فائقة، تتشابك فيه الدقة الأكاديمية الصارمة مع الفيض العاطفي الحر، لتتحول كل مقطوعة إلى ملحمة صوتية متكاملة تتحدى كل الظروف، وتثبت أن الموسيقى هي الترجمان الأصدق لخلجات الروح الإنسانية في أرفع تجلياتها.
كانت أمسية "سمفونية فوق السحاب" رحلة موسيقية وغوصاً عميقاً في دروب الشجن والجمال المطلق، حيث تماهت المقامات الغربية مع عظمة المكان اللبناني لتصنع حواراً حضارياً عابراً للحدود، فكانت تجسيداً حياً لرسالة الكونسرفتوار وثباته منارةً للثقافة والفن، وتأكيداً على أن لبنان، مهما اشتدت عواصفه، يظل صرحاً خالداً للفن الجميل، ووطناً ينبض بالحب والإبداع من قمم الجبال الشامخة إلى مرافئ الروح الإنسانية.
هل كان الماضي أجمل فعلًا... أم أن ذاكرتنا تخدعنا؟
السابق